موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

كشف إستخباري لتحرّكات “حزب الله” الأمنيّة… مُجدّداً

ناجي س. البستاني – النشرة

الغارة الإسرائيليّة على “مزرعة الأمل” في منطقة القنيطرة في الساعات الماضية ليست الأولى على سوريا(1)، حيث أنّها الغارة رقم 12 على مدى 11 عاماً، لكنّها الأخطر بالتأكيد، كونها عبارة عن عمليّة إغتيال جوّي لمسؤولين ومقاتلين في “حزب الله” وآخرين إيرانيّين، في تكرار لما حدث في 7 كانون الأوّل الماضي عندما إستهدف الطيران الإسرائيلي قاعدة تابعة للواء 103 في الفرقة الرابعة من الجيش السوري، تقع قرب مطار دمشق الدولي، ما أسفر عن إصابات في صفوف “حزب الله” أيضاً، ذكرت مصادر غربيّة أنّها طالت مجموعة كانت تُشرف ميدانياً على عمليّة نقل أسلحة متطوّرة من مخزن يقع ضمن القاعدة العسكريّة السورية المُستهدفة. وغارة القنيطرة في الجولان السوري، إستهدفت بدورها القيادي في “حزب الله” محمد عيسى، وأدّت إلى سقوط مقاتلين آخرين بينهم جهاد عماد مغنّية، في ضربة جوّية هي الثانية من نوعها خلال ستة أسابيع، علماً أنّ سقوط عدد من الإيرانيّين بينهم قائد وحدة الرضوان الخاصة، أبو علي الطبطبائي، هو أكثر خطورة، ما يطرح أكثر من علامة إستفهام، أبرزها:
أوّلاً: إنّ التمكّن من تحديد مواقع مسؤولين عسكريّين ومقاتلين في “حزب الله”، خلال مهمّات ميدانية عسكريّة ذات طابع سرّي، في فترات زمنيّة متقاربة، يؤكّد بما لا يقبل الشك التعرّض لخرق إستخباري إسرائيلي خطير وعلى مستوى عال، إمّا لمسؤولي “حزب الله” العاملين ميدانياً في سوريا، أو لقياديّي الجيش السوري المُكلّفين التنسيق والتعاون مع “الحزب” هناك(2)، باعتبار أنّ هذا النوع من التحرّكات يتمّ عادة بشكل سِرّي ومُمَوّه بشكل يصعب كشفه من قبل المُراقبة الجَويّة في حال تواجدها، وفي أوقات زمنيّة مُفاجئة مباغتة، وإلى وجهات جغرافية غير معروفة إلا بالنسبة إلى حلقة ضيّقة جداً من الأشخاص. فمن يقف وراء هذا الخرق الإستخباري، وهل سيطول الوقت لإكتشافه؟
ثانياً: إنّ الغارة الإسرائيليّة الجديدة تُظهر ضرب إسرائيل بعرض الحائط التهديدات التي أطلقها الأمين العام لـ”حزب الله”، السيد حسن نصر الله، في حديثه الإعلامي يوم الجمعة الماضي(3). ويبدو أنّ السياسة الإسرائيلية القاضية بإغتيال أيّ مسؤول عسكري مَيداني، أكان ضمن “حركة حماس” أو “حركة الجهاد” أو “حزب الله” أو غيرهم، بمجرّد أن تسنح الفرصة لذلك، مُستمرّة بمعزل عن التداعيات المحتملة. فهل ما حصل عبارة عن تحرّك أمني فوري بمجرّد أن أتيحت الفرصة لذلك، ومن دون أيّ تنسيق بين القيادة العسكرية والقيادة السياسيّة في إسرائيل، أم أنّه “ضوء أخضر” من أعلى القيادات الإسرائيليّة لتوجيه رسالة قاسية إلى “الحزب” ولإيران من خلفه وكذلك للداخل الإسرائيلي؟
ثالثاً: إنّ “حزب الله” ومعه النظام السوري، ردّا سابقاً على الغارات الإسرائيليّة المتكرّرة في سوريا، بتفجيرات متواضعة ضدّ دوريّات إسرائيليّة في مزارع شبعا حيناً وفي الجولان السوري المحتل حيناً آخر(4). لكن بالنسبة إلى هذه الضربة المباشرة والموجعة للحزب ولإيران، الردّ المُتوقّع سيكون أكبر وأهمّ، نظراً إلى الضرر الكبير الذي ألحقته إسرائيل بهما على الصعيدين الميداني والمعنوي. وهذا ما وضع “الحزب” في موقف حرج جداً، حيث أنّه يتمّ حالياً دراسة الخيارات المتاحة بدقّة، بالتنسيق مع طهران. فإذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يبحث عن نصر معنوي لرفع أسهم حزبه في الإنتخابات الإسرائيليّة المُبكرة في 17 آذار المقبل، أي بعد نحو شهرين من اليوم، فإنّ “حزب الله” يريد ردّ إعتباره المعنوي وإثبات قدراته الرادعة، لكنّه يخشى في الوقت عينه إنفلات الأمور نحو مواجهة شاملة لم يُحدّد توقيتها بنفسه، وهي غير مناسبة حالياً لأسباب عدّة، أبرزها:
1- إنشغال “الحزب” والجيش السوري بالأزمة المُتفجّرة في سوريا.
2- ضُعف الإمكانات المالية بسبب إنخفاض عائدات إيران النفطيّة الأمر الذي يجعل مسألة تعويض أيّ خسائر مُحتملة في أيّ حرب مع إسرائيل غير سهلة.
3- دقّة المفاوضات الإيرانية-الغربيّة التي لا تحتمل أيّ خضّات أمنيّة واسعة يكون لطهران دور مباشر فيها.
4- ضُعف حجّة الرَدّ في المَفهوم الدَولي كون إستهداف “الحزب” تمّ على أرض سورية وليس في الداخل اللبناني.
وفي الخلاصة، الأكيد أنّ “حزب الله” يبحث حالياً عن ردّ مُوجع على الهجوم الإسرائيلي، وهو مصمّم على عدم السكوت، لكنّه يُخطّط لأن يكون ردّه في إطار محصور بحيث لا يستدرج مواجهة شرسة شاملة لا يريدها “الحزب” حالياً، ولا تريدها إسرائيل مبدئياً، علماً أنّ بعض المحلّلين الغربيّين يتحدّث عن سعي إسرائيلي لإفشال الإتفاق الإيراني-الغربي المُرتقب بأيّ وسيلة ممكنة، حتى لو كانت عبر مواجهة عسكريّة واسعة في المنطقة!

(1) سبق للطيران الحربي الإسرائيلي أن ضرب أهدافاً في العمق السوري وحتى قرب دمشق، قبل الحرب السوريّة الداخلية وخلالها، أبرزها غارة على مصنع في دير الزور في 6 أيلول 2007 إستهدفت بحسب مصادر غربيّة مركزاً للتطوير النووي بمساعدة كوريّة شماليّة. وكذلك مهاجمة موكب شاحنات في ريف دمشق في 31 كانون الأوّل 2013، كان مُحمّلاً بصواريخ SA-17 الروسيّة المضادة للطائرات، عند ركن الشاحنات المحمّلة بالصواريخ قرب مركز الأبحاث والدراسات العلميّة في ريف دمشق.
(2) “حزب الله” كان كشف أخيراً عميلاً لجهاز “الموساد” الإسرائيلي في صفوفه، هو محمد شوربا، لكن “الحزب” نفى أن يكون لشوربا أيّ سُلطات أمنيّة، بل نفوذ سياسيّ وماليّ فحسب.
(3) وصف الأمين العام لـ”حزب الله” “القصف المُتكرّر الذي حصل على أهداف متنوّعة في سوريا” بالخرق الكبير، وقال ما حرفيّته عن إحتمال الردّ: “أحداً لم يُقدّم إلتزاماً بأنّ الإعتداءات على سوريا ستبقى من دون ردّ، هذا حق محور المقاومة وليس حق سوريا فقط”، مشيراً إلى أنّ التوقيت “خاضع لمعايير ستؤخذ في الإعتبار”.
(4) في 7 تشرين الأوّل 2014، إستهدف “حزب الله” دوريّة لقوات الإحتلال في منطقة مرتفعات شبعا، وقبل ذلك وتحديداً في 22 حزيران من العام عينه تمّ تفجير عبوة ناسفة في آلية عسكريّة كانت على مقربة من السياج الإلكتروني الفاصل بين المناطق المحرّرة وتلك المحتلّة في الجولان. وكان إنفجار قد إستهدف دوريّة لجنود إسرائيليّين على الحدود مع لبنان في 14 آذار 2014، تلاه إنفجار آخر في 18 آذار 2014 بدوريّة إسرائيليّة في منطقة مسعدة قرب مجدل شمس في الجولان السوري، إلخ.

قد يعجبك ايضا