موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

رد حزب الله… «واصل»؟!

حسين طليس – سلاب نيوز

لم يكن هذا مقاليَ المحضّر قبل يومين حول حزب الله، بل كنت قد رصدت عنوان “إنت فين والحزب فين”، لمقالٍ آخر ذو طابعٍ ساخر، ينتقد الجوقة (ما غيرها) التي تخرج بعد كل خطاب او تصريح او مقابلة للأمين العام لحزب الله، فتسعى بما تبقى من الـ5 مليارات (ما غيرون) لتشويه صورة حزب الله ومحاولة الرد على السيد نصرالله (قال يعني) عبر المواقع والصحف المأجورة والحسابات الشخصية المباعة.

عزفت عن عرض المقال للنشر بالأمس، نظراً للحدث الكبير الذي طغى على باقي الأحداث، والذي حمل شهادة فرضت إحترامها. إلا أنني تفاجأت بأسباب عدة، جعلتي مغرماً بعنوان ذاك المقال- ليس من ضمنها ما يحمله من لعب على كلام أغنية الراحلة أم كلثوم- الذي قفز أمامي مع كل تعليق شاهدته حول ما جرى بالأمس، وهو ما دفعني إلى ذكره في مقدمة هذا المقال، مقتنعاً أنه (أي العنوان) سيكون صالحاً لأي مقال سابق وحاضر وقادم، يدرس ردود الفعل على أي حدث يتمحور حول حزب الله.

“الرد”.. لو جرى إحصاء أكثر الكلمات إستخداماً بين أمس واليوم، لحصلت كلمة “الرد” على النسبة الأعلى من التداول. لقد أرهق المحللون العرب واللبنانيون والإسرائيليون، مسامع المشاهدين والقراء وحتى مقدمي البرامج، بالحديث عن “الرد” المتوقع من حزب الله على العملية التي قامت بها إسرائيل في القنيطرة السورية. كذلك فعل النشطاء الإلكترونيين، البعض ناقش أساليب رد حزب الله، بين الجليل وما بعده وبين صواريخ فاتح، او فتح جبهة الجولان، وغيرها من السيناريوهات المتوقعة، مطالبين الحزب بالرد السريع. فيما نشط معارضو حزب الله ومن هم في خانة واحدة مع أعدائه، في محاولة “حشر” الحزب مستخدمين كلام السيد الأخير ووعوده (التي كانوا ينتقدونها قبل يوم واحد فقط) من أجل التشكيك في القدرة على الرد.

أحداً لم يناقش ما حصل من مختلف زواياه، والكل علق في الذهنية العسكرية الكلاسيكية للحرب المندلعة بين حزب الله والعدو الإسرائيلي، التي تقول أن إسرائيل بالأمس وجهت ضربة مؤلمة عبر عملية القنيطرة ، ما يستوجب ردأ قوياً من قبل الحزب يناسب حجم الضربة. لم تتم مقاربة الحدث من ذهنية إستراتيجية، غالباً ما اعتمدها ويعتمدها حزب الله في حربه مع الصهاينة، وهي ذهنية تعيد خلط كل المتداول، لترمي أسئلة بوجه من يطالب ويتساءل عن رد، فيأتي السؤال الأول على الشكل التالي: من يقف اليوم (إستراتيجياً) في موقع المطالب بالرد ؟

قد يقوم حزب الله برد عسكري، قبل نشر هذا المقال، او أثناء كتابتي له، وقد لا يحصل ذلك قبل أسبوع أو شهر او أكثر، الى أن تأتي الفرصة المناسبة له. لكن ماذا لو قلنا أن حزب الله ليس في موقع المطالب بالرد، أو أن العملية التي نفذها العدو تأتي في سياق رد “إسرائيل” (التي تقف هي اليوم في خانة المطالب بالرد) على حزب الله ؟

الجواب يأتي بدايةً من مكان العملية. القنيطرة السورية، المحاذية للجولان المحتل، والمحافظة التي يرى فيها الإسرائيلي مشروع حزام آمن يريده من أجل حماية عمق كيانه من جبهة قد يستفيد منها أعداؤه بمن فيهم حزب الله لفتحها في أي وقت يراد فيه تصفية الحسابات. حزب الله سبق الصهاينة الى تلك البقعة الجغرافية، بالرغم من إشرافهم الكامل عليها عبر تنسيقهم الواضح مع المجموعات المسلحة هناك. حزب الله وصل، ينشط، يخطط، ويقوم قياديوه بزيارات تفقدية الى تلك الجبهة، ألا يستوجب ذلك رداً صهيونياً؟ ألا يعتبر ذلك هجوم من قبل حزب الله يستهدف فيه عمق الكيان الصهيوني وصلب مشاريعه؟

من هو المطالب بالرد ؟ حزب الله؟ أم حكومة نتنياهو التي إستهلكت في الأيام الماضية كافة كوادرها في إستثمار الهجمات الإرهابية على أوروبا، وفي فرنسا خصوصاً، من أجل دعوة اليهود الى الهجرة نحو فلسطين المحتلة كونها المكان الأكثر امناً، ثم وفي مقابلة واحدة أعاد فيها السيد نصرالله الحديث الى بداياته، ليتحول الإعلام الصهيوني من مفاخرٍ بأمن كيانه نسبة لأوروبا، الى مرتعد من سيناريو “الجليل وما بعد الجليل”، ومتباكٍ على أطلال هدوءٍ شهدته حدوده الشمالية، وقد انتهى في اللحظة التي بثت فيها المقابلة ؟ اليس ذلك بحد ذاته هجوم ورد وحرب، إنتصر فيها حزب الله؟

أي رد ما زالوا ينتظرون، وإعلام العدو إنفجر مع إنفجار صاروخ جيشهم في القنيطرة، يتخبط في خوفه من ردة الفعل، ويتقلب بين كوابيس السيناريوهات المتوقعة ؟ أي رد سيكون أقوى من ذلك ؟ حتى ولو قام حزب الله بقصف تل أبيب أو مبنى وزارة حرب العدو، ستكون الخسائر في الأرواح والماديات ؟ حسناً، لكن هل سيكون ذلك الرد أقوى مما حصل منذ ليل أمس، حين ماتت نفوس سكان الكيان كله من وقع مجرد التفكير في الرد القادم، متأثرة بجراح معنوية بالغة، أصيبت بها أثناء حرب السيد نصرالله الإعلامية ؟

أي رد عسكري سيكون أقسى من مشهد عشرات الآلاف يشيعون الشهيد جهاد مغنية تحت سماء مكشوفة في وسط الضاحية الجنوبية يتلقون نبأ إستشهاد المقاومين بالزغاريد والفخر وملؤهم ثقة بقدرة مقاومتهم على الثأر، في حين يقف عشرات الآلاف من المستوطنين شمال الأراضي المحتلة، على أبواب ملاجئهم بإنتظار “الصلية الأولى”، وعشرات المحللين الصهاينة ينبئونهم بإحتمال عجز كيانهم عن إستيعاب رد حزب الله المحتمل؟

أي رد سيكون مكلفاً، أكثر من دفع الكيان الصهيوني إلى إستنفار دائم على الحدود وتحسب طويل يشمل سفاراته وأماكن نشاطه في العالم كله ؟ في حين ان حزب الله قد رسّخ معادلة تقول أن إستهداف قياداته وكوادره أصبح خارج خانة الخسارة في الحرب، بل بات ذلك يصب في صالح تماسك المقاومة وتعاظم بنيتها؟

قبل التساؤل عن الرد وأشكاله، أو الغمز من ناحية القدرة على الرد أم لا، على الجميع، من بيئة حزب الله ومعارضيه الى أعداءه، أن يدركوا شكل الحرب مع “إسرائيل”، إذ لا تتمثل برجلين يتعاركان، ولا يمثل الهجوم في تلك الحرب “لكمة” على الرجل الآخر أن يرد عليها بـ”لكمة” مثيلة. إنما هي سباق بين أحصنة شطرنج، يحاول كل حصان فيها إيجاد سبيل لإنهاء اللعبة، وقد قطع حزب الله شوطاً طويلاً على درب “قتل الملك” منذ العام 2006 وما تبعه من أحداث وصولاً الى ما يحصل في سوريا.

حزب الله كسر توازن الرعب، يعد جمهوره بقدرته على تحرير “ما بعد الجليل” في حين فشلت إسرائيل بالوصول الى ساحة بنت جبيل، فأي رد أكثر إيلاماً من هذه المعادلة ينتظره البعض ؟ قبل التساؤل عن أي رد بالشكل والمضمون على كل شخص أن يتوجه لنفسه بالسؤال الذي كاد أن يكون عنواناً لذاك المقال الساخر… “أنت فين.. والحزب فين ؟”

قد يعجبك ايضا