موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

قصة جانيت التي لم تكن تعرف ماذا ينتظرها

فيفيان عقيقي – النهار

في الرابعة من عمرها فقدت جانيت والدتها بمرض السرطان، ولم يكن بإمكان والدها تربيتها هي وشقيقها، فانتقلت إلى قرى الأطفال SOS، عاشت مع عائلة جديدة، وأصبح لديها أم بديلة، إنها ماما جمال التي حضنتها وربّتها حتى كبرت وخرجت عروسًا من المنزل الذي اعتنى بها، فأصبحت أماً لولدين وتنتظر مولودها الثالث.

عندما ماتت والدتي!
اليوم الأوّل في SOS كان مميّزًا، تقول جانيت لـ”النهار”: “عندما أتينا إلى قرى الأطفال أنا وشقيقي، كان الاستقبال جميلًا، شعرت منذ اللحظة الأولى أنني بين أهلي. عشت في القرية حتى سنّ السابعة عشرة، ثمّ انتقلت إلى مساكن البنات. عشت سنين جميلة، بات لديّ أخوة كثر، ونحن على علاقة طيّبة حتى اليوم، ما زالت ماما جمال تزورنا ونزورها، حنيني إلى المكان الذي كبرت فيه لا ينطفئ”.

من الصعب المجيء إلى مكان جديد، وبدء حياة جديدة، هذا ما تؤكّده جانيت عندما تتذكّر طفولتها: “كان الانتقال من حياة إلى أخرى بعد موت أمي صعبًا، صحيح أني لا أعي كلّ التفاصيل، ولكنني كنت أشعر دائمًا بنقص. خلال طفولتي كلّها لم تمرّ عليّ لحظات أليمة، لكن الآن أشعر بأنني بحاجة إلى أمي بالقرب مني. في صغري ماما جمال عوّضتني هذا النقص، لكن الآن كبرت ولم يعد في إمكانها البقاء معي دائمًا، لذلك أشعر بحاجتي إلى أم أكثر”.

اكتسبت جانيت 30 أخًا وأختًا في قرى الأطفال SOS، وعاشت مع اثني عشر منهم في منزل واحد: “كبرنا معًا هنا ثمّ أصبح لكلّ منا حياته وعائلته الخاصّة، ولكننا ما زلنا على تواصل دائم، ونزور بعضنا في المناسبات والأعياد. متعلّقة بشقيقي وهو حاضر دائمًا بيننا، ولكن لديّ أخت بمثابة شقيقة حقيقيّة لي، إنها جويس التي أتواصل معها دائمًا، وأراها في شكل مستمرّ”.

خرجت عروسًا من SOS
بعدما أنهت دراستها الثانويّة، انقلت جانيت إلى بيروت لتتابع دراستها الجامعيّة، تخصّصت في مجال المساعدة الاجتماعيّة، لتعود إلى قرى الأطفال وتعمل فيها، وهناك تعرّفت إلى جورج. وتتابع: “تعرّفت إلى زوجي فيها، فهو كان ينفّذ مشروع منزلين فيها، أعجبته وأعجبني ثمّ توطّدت العلاقة بيننا، لكنني أردت إنهاء دراستي قبل الزواج، أنهيت دراستي وعملت في SOS مساعدة اجتماعيّة، وتزوّجت في سنّ السادسة والعشرين. أردت أن أخرج عروسًا من SOS المكان الذي أنتمي إليه وكبرت فيه، شارك الجميع في التحضير لعرس ابنتهم. بعد زواجي تركت العمل وتفرّغت للاهتمام بعائلتي، فأنجبت ولدين، كرم وكارل، وأنتظر المولود الثالث كريستوف”.

لا تعتب جانيت على والدها ولا تلومه، فالظروف القاسية لم تسمح له بأن يعتني بها وبشقيقها، بل على العكس، تشكره لأنه وضعهما في SOS: “لا أعتب على والدي لأنني أعرف إمكاناته. كان يزورنا باستمرار وحتى تحت القصف والحرب. كنت أشتاق إليه. عشت وشقيقي سبع سنوات في SOS لم نتعرّف فيها إلى أحد من الأقارب، كان والدي الوحيد الذي يزورنا، عندما هدأت الأوضاع الأمنيّة زرنا منزلنا وتعرّفنا إلى الأقارب، كانت لحظات مؤثرة وسعيدة لنا، أنا أشكره لأنه وضعنا في SOS، فلولا ذلك القرار، لا أحد يعلم ما هي الظروف التي كنّا سنمرّ بها. خروجي عروسًا من SOS كان برضا والدي، كان بمثابة ردّ الجميل لهم على تعبهم وسهرهم وتضحياتهم من أجلنا”.

لحظة حملت طفلي بين يديْ
أكثر لحظة مؤثرة في نفس جانيت، كانت تلك اللحظة التي حملت فيها ابنها بين يديها، كان شعورها مزيجًا من الفرح والقلق، تقول: “كنت سعيدة عندما حملت بكرم، وعندما حملته بين يدي لم أصدّق أنه بات لي ولد، بعدها صرت أشعر بتعب الأم، صرت أعرف كم ضحّت ماما جمال من أجلنا. ولكن القلق يرافقني دائمًا، أخاف على أولادي أن يفقدوني، أن يفقدوا أمهم، أخاف أن أتركهم، لا أتخيّلهم يعيشون الظروف التي عشتها. لكن في النهاية الله هو الذي يحدّد مصير كلّ شخص، وإيماني به يبعد القلق عني”.

“ليعطِ كلّ منا من قلبه وليحبّ من قلبه، وليسعَ ليكون إنسانًا صالحًا ومتصالحًا مع نفسه”، هي العبرة التي تعلّمتها جانيت طوال حياتها، وما زالت تعيش وفقها.

قد يعجبك ايضا