موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

“فالنتاين” بـ90 ألف ليرة … وحبة مسك!!

زياد عيتاني – العربي الجديد

احتفلت في مراهقتي بعيد العشاق أكثر من مرة واختلفت الشريكة من سنةٍ لأُخرى. ولكنّ شريكة منهنّ تميّزت بسبب الكدمات التي تركتها على جسدي حتى اليوم. كنت أسكن وأصدقائي الخمسة في شقة واحدة أثناء فترة الدراسة. نعمل بدوامات جزئية ببدل مادي قليل، فابتكرنا ما يسمى بـ”صندوق المصاريف”. يضع كلٌّ واحد منّا فيه مبلغاً شهرياً كبدل للأكل والتنظيف. وعندما تفرغ جيوبنا يكون الصندوق خلاصنا من الجوع .

تعددت محاولاتنا للتعرف على الفتاة ذات الرداء الأسود التي تسكن في المبنى المقابل، وكانت محاولاتنا جماعية تارة وفردية تارة أخرى. اعتبرت نفسي محظوظاً حين ابتسمت لي مرةً. تبادلنا أرقام الهاتف، وكان موعدنا الأول يوم عيد العشاق. تحوّلنا لعاشقيْن بسن السادسة عشر وما أدراكم ما تعريف العشق في هذا السن.

كل عدة ما يسمى بالـ”جغل” جاهزة. أدركت حينها مُتعة أن تعيش مع خمسة أصدقاء في منزل واحد. كلٌّ قدّم أفضل قطعة ملابس لديه، والعطر الأجمل، لكننا كنّا مفلسين. صارحتهم بحقيقة وضعي المادي، إذ لا يتعدى ما في جيبي الـ25 ألف ليرة. أقنعتهم أن الموعد غير مكلف، وأنه مجرد نزهة بسيطة على كورنيش بيروت البحري. تمت الموافقة على فتح الصندوق استثنائياً واقترضتُ المال منه.

مجموع ما نملكه في الصندوق كان 90 ألف ليرة أصبحت كلها في جيبي، أمّا المطلوب فكان إعادة المبلغ ناقصاً 30 ألف ليرة كحد أقصى. وبعد الموعد، انهالت الأسئلة من الأصدقاء، فأشبعت فضولهم بالأخبار التي يودون سماعها. أخبرتهم عن قبلات لم تحصل، وعن حديث لم يجر، وعن نزهة بحرية لم نقم بها أساساً. انتهى الحديث بسؤال أحدهم: “حسناً أين باقي المبلغ؟”.

التهرّب من الجواب كان مستحيلاً. واجهتهم بالحقيقة وتباكيْتُ قائلاً: “يا شباب.. ما بقي شي”. ساد الوجوم على الوجوه بانتظار شرح ما جرى. وصفت لهم المطعم الإيطالي الفخم الذي زرناه، وأخبرتهم عن طبق الـ”بوليه بالسباغيتي” والهدية التي اشتريتها لها. هنا تحولت وجوه الأصدقاء إلى ما يشبه غيوم الشتاء، وبدأت قبضاتهم تتجمع أمامي.

خرق صديق آخر الصمت المرعب بسؤال: “حسناً باقي 20 ألف، أين هي؟”، كان جوابي بمثابة الصدمة الاكبر، “يا شباب غير معقول أن نعود بأوتوبيس بعد هذا الموعد، فاستأجرت تاكسي”. ما إن أنهيت كلامي، حتى انهال عليّ الجمع بالضرب. رفعوا جسدي نحو الثريا فارتطم بزوايا الجدران. تمكّنت من الهروب بسرعة واختبأت في “العليّة” فوق الحمام.

أذكر جيداً ذاك “الفالنتاين”. ليلة كاملة شتوية في “عليّة” تكاد تتسع لجسدي. ليلة كاملة وأنا أحاول العودة إلى سريري، لكنهم أحكموا الخطة. تناوبوا على السهر في الأسفل. وكل ساهر منهم تزوّد برزمة من الأحزمة الجلدية والعصي. ليلة كاملة، وهم يرددون على مسامعي: “بوليه يا ابن العيتاني؟”، “تاكسي يا فالنتينو؟”، “يرحم جدك بسوق صبرا الشعبي”. ليلة لم تنتهِ إلا بوعد مني أن أخدمهم لمدة شهر. خدمة تنوعت بين شطف المنزل، وتنظيف الأسرّة، والجلي، وطبعاً تحضير الطعام. فكان “فالنتاين” مميّزاً لا يُنسى.

قد يعجبك ايضا