موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

سمّوا الموزة موزة

جمانة حداد – النهار

إذا كانت خدعة “زيزي والموز” تدلّ على شيء، فليس على خواء الجمهور اللبناني وانشغاله بالسخافات، ولا على ضرورة إيلاء الثقافة والفكر (و”التفكير” خصوصاً) المزيد من الاهتمام والوقت – فهذه بديهيات -، بل على مدى استخفاف وسائل الإعلام المرئية بالناس، واعتبارهم بلهاء يمكن تبليعهم خطةً تزعم أنها تسعى إلى توعية “المواطنين” وإعلاء شأن الثقافة، في حين أن هدفها الموضوعي، غير المعلن، هو زيادة عدد مشاهدي برامج معينة، و”التمريك” على محطات أخرى، واقتناص المال من خلال الإعلانات والدعايات، وتحقيق التفوق على القنوات المنافسة.

لم نكن ننتظر أغنية الست زيزي لكي نعرف ذلك. فوسائل الإعلام المرئية، كلها تقريباً، تلهث وراء لازمة “الجمهور عايز كده”، وهي على استعداد لكل شيء، إكراماً لهذا الجمهور الكريم ولِما تقرّر هي أنه يريده ويحتاجه.

ولو؟ هلقد صار الناس “أغبياء” في نظر المحطات التلفزيونية؟
أنطلق مما فعلته إحدى هذه المحطات، حين وضعت خطة غير ناجحة لـ”تنبيه” الجمهور وإيقاظه من كبوته، لأتحدث عن ظاهرة لا تقتصر على محطة دون سواها. ففي زمن الانحطاط، وانهيار المعايير، تتبارى غالبية المحطات بعرض برامج ترفيهية وفكاهية (ليتها تكتفي بالترفيه والفكاهة) قائمة على الابتذال المقزّز، والايحاءات الرخيصة، بهدف الترويج وجذب الجمهور.

قبل أن تعتب المحطات على المشاهدين و”تفاهتهم”، وتدعوهم الى “التثقّف”، ألا يجدر بها أن تطرح أولاً هذا السؤال على نفسها: مَن يربّي هؤلاء المشاهدين؟ مَن الذي يتحكم بأذواقهم ويسيّرها؟ مَن الذي يطلق الصيحات ويطبّع الميول؟

وانتبهوا. لا نطالب بإلغاء البعد الترفيهي من المنتجات التلفزيونية، مهما كان قائماً على “المِحن” والنكات البذيئة. خلّوها (وإن كان لا يجوز البتة ترويج العنصرية والتمييز وإهانة المثليين فيها). لكن المطلوب حد أدنى من التوازن: أي افسحوا، الى جانب هز الخصر، لمساحة – ولو ضيقة – تروّج للفكر والمسرح والرسم والنحت والكتب. ستخسر المحطات عائدات “محترمة” بسبب عدم رغبة المعلنين في الاستثمار في برامج كهذه، يعتبرونها نخبوية. عال. لكن الخسارة المادية يوازيها ربح معنوي أكيد. والمطلوب أيضاً وخصوصاً إنقاذ هذا النوع من البرامج الثقافية من سمة “الملل” الملصقة بها، وابتكار طرق لجعلها جذابة وفي المتناول، من دون إيقاعها في التبسيط.

مختصر مفيد: يا أصحاب المحطات التلفزيونية العزيزة، لا تختبئوا وراء أصابعكم، لأننا نراكم جيداً. لا تستهبلونا من فضلكم، لأن الناس أكثر ذكاء مما تتوهمون. أخيراً وليس آخرا، لا تحاولوا تقديم ديدانكم لنا في شكل هدايا برّاقة: سمّوا هالموزة موزة. فالطُعم واضح، والصنّارة مكشوفة، والناس ليسوا عمياناً.

قد يعجبك ايضا