موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

125 دقيقة جنس تشغل اللبنانيّين

جيسيكا حبشي – موقع MTV

لم يُثر اللُبنانيّين فيديو ذبح “داعش” المصريين الـ21 وتصفية الطيّار الاردني معاذ الكساسبة وإعدام “جبهة النّصرة” و”الدّولة الاسلامية” 4 جنود لبنانيّين كما حرّكهم فيلم Fifty Shades Of Grey ولقطات وصور ميا خليفة الاباحيّة.

كان الغضب موقّتاً على أفعال التّنظيمات الارهابيّة التي أقلّ ما يقال فيها إنّها شنيعة وفظيعة، كذلك التّعليقات والتغريدات على مواقع التّواصل الاجتماعي، فتلك الافلام مرعبة ومروّعة وخيال الانسان يهابها، على عكس الأفلام الجنسيّة التي تجذب زبائن كثراً نظراً للمتعة التي تقدّمها للمخيّلة، خصوصاً في بلادنا العربيّة وتحديداً لبنان، بلد التناقضات بامتياز، حيث القبلة لا تزال مستبعدة في مسلسلاتنا وأفلامنا رغم ما تقدّمه هذه الدراما من مشاهد قد تكون في بعض الاحيان أكثر خدشاً للحياء من قبلةٍ قد تخدم النصّ والقصّة.

قبل الـ14 من شباط الحالي، كثرٌ لم يسمعوا بـ Fifty Shades Of Grey، إلا أنّه بعد هذا التّاريخ، بات الجميع متحمّساً لذلك الفيلم، وسجلّ تهافتٌ هائلٌ على صالات السينما في لبنان للتمتّع بمشاهد جنسيّة جديدة، غير تقليديّة على شاشاتنا. مشاهد تصوّر الساديّة والمازوشيّة في العلاقة الحميمة، رغم أن ما يروّج له هذا الفيلم بطريقة أو بأخرى، قد لا يكون غريباً عن بعض غرف النّوم وعن مخيّلة بعض الاشخاص الذين قد يعمدون الى تنفيذ رغباتهم مع بائعات الهوى وبعض الاشخاص الذين يشاركونهم التخيّلات الجنسيّة نفسها إن لقوا رفضاً من شركائهم.

هذا الفيلم حول “قصّة حبّ” أناستازيا ستيل وكريستيان غري ولد عن كتابٍ من ثلاثة أجزاءٍ، أوّلها صدر في الـ2011 للكاتبة البريطانيّة أريكا متشيل المعروفة بـ إ. إل. جميس، وسجّل رقماً قياسيّاً في مبيعات الكتب حول العالم في بداية طرحه، إذ بيعت أكثر من 70 مليون نسخة منه.

أمّا في لبنان، فقد بلغت عبارة Fifty Shades Of Grey شهرتها في الشّهر الحاليّ، خصوصاً بعد عرض الفيديو الترويجيّ للفيلم، فانقسم اللّبنانيّون بين مؤيدٍ ومعارضٍ لهذا النّوع من الجنس، وبات السيّد غراي بمثابة “خوان الغول” الجديد لدى الكثير من اللّبنانيّات اللّواتي باتت لديهنّ مواصفات جديدة لفارس الاحلام الذي لا يمتطي خيلاً، بل يقود سيّارة من نوع “أودي” ويغرق حبيبته بالهدايا الثّمينة والباهظة، وهذا التّفصيل في القصّة مطابقٌ لحدٍّ كبيرٍ لمتطلبات فئة من الانسات والسيّدات في مجتمعنا.
هل هذا النّوع من العلاقة الجنسيّة سيّء؟ لم تعتبر الساديّة والمازوشيّة خطيئة إن كان الطّرفان يرحّبان بها؟ هل الحبّ يبرّر طريقة التّعبير؟ لم اختار السيّد غري أناستازيا وليس غيرها، علماً أنّها غير كاملة المواصفات وهو أجمل وأعلى شئنا منها؟ هل من كريستان غراي في الواقع؟

هذه باختصار الاسئلة التي تتمحور حولها اهتمامات اللبنانيّين حاليّاً. الجميع يتحدث عن الفيلم “الفاحش” ونسي “النّصرة” و”داعش”اللّتان تتمركزان عند حدودنا وتهدّدانا بأفلامٍ واقعيّة من نوع آخر. اللّبنانيون أغفلوا أفلام السياسييّن التي لا تنتهي فصولها وأجزاؤها، وتعايشوا مع واقعهم لدرجة تقبّل مختلف المشكلات الاجتماعيّة والحياتيّة والاقتصاديّة التي يعانون منها، واستطاع فيلم جنسي لـ125 دقيقة أن ينسيهم بلدهم وما فيه…

ماذا لو كان الارهاب يتربّص عند حدود الولايات المتّحدة الاميركيّة، هل كان الاميركيّون اهتمّوا بالفيلم وبحبّ السيّد غراي لآنا؟ ماذا لو كان جنود بريطانيّون في قبضة إرهابيّين يهدّدونهم ويتوعّدون دولتهم يوميّاً؟ هل كان البريطانيّون سيناقشون ويحلّلون ويجودون بالكتابة عن هذا الفيلم الجنسي؟
كم يبدع اللبنانيّون بالتلهّي بالقشور، وما أكبر دهشتهم وترحيبهم بكلّ جديدٍ مستوردٍ من الغرب، هذا الغرب الذي يسوّق عندنا سياساته وأفلامه وماركاته ومفاهيمه ومبادئه، ونحن نتلقّى مبتسمين برهجةٍ منتوجاته وأفكاره.

عذراً لأنّ هذه المقالة لم تتطرّق لملفّ العسكريّين اللبنانيّن المختطفين. عذراً لانّنا لم نخلع القناع عن وجه مسؤولٍ جديدٍ. عذراً لأنّنا لم نعالج هذه المرّة ملفّ اللّجوء وتبعاته وانعكاساته وملفّات المياه والنّفط والبطالة والسّلسلة والانتخابات الرئاسيّة والحوارات الثنائيّة…

هذا المقال لم يخصّص لتحليل وترويج الفيلم، بل للاضاءة على سطحيّة وسخافة بعض اللّبنانيّن الذين تظاهروا الاسبوع المنصرم أمام شبابيك التذاكر، متحمّسين لقصّة آنا والسيّد غري، ولم يتظاهروا في ساحة من ساحات وطنهم احتجاجاً على مصائبهم وعلى تلكّؤ دولتهم تجاهم…

الفيلم الهوليوودي القصير انتهى، عودوا من جديدٍ الى أرض الواقع وصفّقوا لأبطال الفيلم اللبناني الطويل…

قد يعجبك ايضا