موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

بين الآليّة والإنتقائية.. مدارس تُسجّل الطلاب وفقَ الـ«Prestige»

سِباق من نوع آخر يخوضه الأهل في الآونة الأخيرة، بالتزامن مع فتحِ معظم المدارس الخاصة أبوابَ التسجيل للعام الدراسي المقبل، بين تصديق الصوَر الشمسية، وإصدار إخراج قيد عائلي، وآخر قيد فردي… ومَلء طلبات الانتساب «أونلاين»، أو الحضور شخصياً إلى المدرسة… تطول لائحة مطالب الإدارات، ويتوجّس الأهل مِن رفض طلبِهم، أو من سماع عبارة: «إبنكن عَ liste d’attente»، فيحتارون في تحديد الجهة التي يتوسّطون عندها لحجز مقعدٍ لولدِهم. بين اعتماد آليّة واضحة وممارسة الانتقائية، مَن يكبَح لهفة المدارس خلف «برستيجها» في انتقاءِ طلّابها؟

تَوجَّهَت حنين إلى إحدى المدارس العريقة في قضاء بعبدا، لتسألَ عن شروط تسجيل ولديها، فجاءَها الجواب المقتضَب: «sorry مدام، المطارح full». لم تستَأ هذه الوالدة لعدمِ توافر مقعد، بل استغربَت سرعة النفي، من دون أن تُكلّف الموظّفة نفسَها مراجعة الملفّات.

عادت حنين أدراجَها خائبةً، وكلامُ جارتها يَطنُّ في أذنَيها، «هيدي المدرسة قِسطا بَلوي ونِصّ تلاميذا ولاد وزراء ونوّاب». لذا لم تتردّد في مكالمة هذه الجارة، وبعد أخذٍ ورَدّ، أدرَكَت أنّها استثمرَت صوتَها إنتخابيّاً لدى أحد النوّاب…

جواب تلك الجارة زاد الأمور تعقيداً في نظر حنين، لأنّها منذ سنوات لا تنتخب، بعدما هاجرَ زوجها لبنان بحثاً عن عمل، فلم يكن أمامها إلّا البحث عن بدائل.

رغبةُ حنين في إدخال ولدَيها إلى تلك المدرسة المحاذية للمنزل دفعَتها إلى التقصي، فتبيّنَ لها أنّ معظم الطلّاب الجُدد الذين لا أخوةَ لهم، يصعب عليهم الدخول بسهولة إلى هذه المدرسة، ما لم يقرَعوا باب أحدٍ من 3 نافذين مؤثّرين لدى الإدارة، «كِلمِتُن ما بتصير تنَين». من حُسنِ حظ حنين، أنّ أحدَ هؤلاء كان زميلَ دراسة مع شقيقها البكر، وبدلاً من «المَطرح» توافرَ لها مقعدان في غضون أسبوع.

معاناة الأهل

حجزُ مقعدٍ دراسيّ في بعض المدارس المرموقة في قضاء بيروت، لا يقلّ تعقيداً، على رغم أقساطها الجنونية. فتعلو صرخة الأهالي، «إذا عَ مقعَد دراسي هيك القصّة، كيف لو كان نيابي؟».

وقفَ رامز في صفّ طويل متأبّطاً ملفّ ابنِه وليد، وقلبُه ينضح افتخاراً به، وراح يتمتم: «وحيدي يتقن 4 لغات، يُميّز الألوان، ويُعدّد أحرف الأبجدية، أكيد ما بيرفضوا». وكلّما اقتربَ دورُه لتسليم الملف رأى الفرجَ بعينيه، وضمنَ مقعداً لابنه للعام المقبل.

حماسةُ رامز سرعان ما بدأت تتلاشى بعد إصغائه لاستفساراتٍ «غير منطقية» من السكرتيرة، فيروي لـ«الجمهورية»: «بعدما استلمَت الموظفة ملفّ سيّدة تقف أمامي، سألتها: مدام، جَوزِك شو بيشتغِل؟ فجاء الجواب، «زوجي حَكيم». فوضعَت الموظفة الملف عن يمينها، مكتفيةً بالقول: «A bon» مع إبتسامة عريضة. وعندما حانَ دوري، رفعَت عينيها من تحت نظّاراتها تسألني مستعجلةً، «موسيو وين دارِس؟ ومرتَك خرّيجة وين؟».

صمتَ رامز مستذكِراً كيف باع والدُه ميراثَه ليعلّمَه، وكم تعبَت زوجتُه وهي تعمل وتتعلّم في آن معاً، ولم يكَد يَذكر لها إسمَيّ جامعتين عريقَتين، حتى سألته: «ذكّرني شو وظيفتك؟»، فأجابها: «مستأجر محلّ وموظف في مجال التسويق في شركة خاصة».

تلك الموظّفة التي كانت تهمّ بوضعِ ملفّ رامز إلى اليمين، سرعان ما بدّلَت رأيَها وضمَّته إلى رزمة طلبات عن يسارها، قائلةً: «بدّك تنطُر منّا إيمايل».

… الأولوية للـ ex طلّابنا

عاد رامز إلى منزله وعلاماتُ الاستغراب تعلو محيّاه، ألف سؤال يجول في بالِه: «ما همُّها أين تعلّمتُ، أليس الأهمّ أنّني أحمل شهادة جامعية!»… أكثر ما أدهشَ رامز أنّ أحداً لم يسأله عن ابنه وقدراته، أقلّه إذا سبق وأرسَله إلى دور حضانة، «يشعر الأهل كأنّهم في تحقيق، أو في يوم الدينونة»، على حَدّ تعبيره.

سلّمَ رامز أمرَه لخالقه، وانتظرَ كما أشارت له السكرتيرة، مرَّ أسبوع ولم يلقَ أيّ جواب، فبدأ الشَكّ يراوده، إلّا أنّه أبى التقصّي عن مدرسة أخرى لاعتباراتٍ عدّة: «هيدي أقوى بالفرنسية، وأخي سبقَ أن سجّلَ إبنَه فيها».

بعد 15 يوماً، تبلّغ رامز رسالة إلكترونية مفادُها أنّ وليد على لائحة الانتظار، وننصح الأهل في البحث عن مدرسة أخرى». كلمات معدودة كانت كفيلة بأن تُشعِل رامز وتدفعه لمراجعة السكرتيرة، فاتّصلَ مستفسراً، ولم يسمَع إلّا جواب: «طوِّل بالك موسيو، في أولوية، ما مناخد كيفما كان».

هذه الأولوية التي أشارَت إليها الموظفة، تُبرّرها إحدى الراهبات الإداريات: «طبعاً تسلميلي، مناخد الأقرب geographiquement إلنا، والأولوية للـ ex طلّابنا».

هذا الرد المقتضَب سرعان ما فقدَ جدواه، حين لم تتمكّن لُبنا من إدخال ابنتها إلى المدرسة التي سبقَ أن أمضَت فيها المرحلة المدرسية، فتروي لـ«الجمهورية»: «غالباً ما يتعلّق المرء بمدرسته، وبعد جدال مع زوجي أقنعتُه بأهمّيتها نظراً إلى أنّها خرّجَت العددَ الاكبر من النافذين، سياسيّين ومديرين… تقدّمتُ بطلبي وأنا على ثقة بأنّني لا أُرَدّ خائبةً».

إلّا أنّ حسابات حقل تلك الأمّ لم تطابق حسابات بيدرها، فقد رُفِضت ابنتُها، وحين حاولت الاستفسار، سمعت الجواب الأمَرَّ على قلبها: «لم يَرِد إسمُك في أيّ من الأفواج المتخرّجة».

خابَ ظنّ لُبنا، وتأثّرَت لأنّها أمضَت 14 عاماً في مدرستها، وفي السَنة الأخيرة، أي في صف الثانوية العامة أجبِرَت على تغيير مدرستها، بعدما لم يُسمَح لها في اختيار الفرع الذي تريد.

تتشعّب معاناة الأهل في فترة بحثِهم عن مدرسة، على رغم كِلفة التسجيل التي يتكبّدونها، والتي تتراوح بين 500 ألف ليرة والألف دولار، لا تُحسَم من القسط السنوي، ولا تُرَدّ لهم في حال قرّروا تغييرَ المدرسة. وما حدثَ مع برنارد خيرُ دليل، فقد حرصَ على تسجيل ابنه في المدرسة الأقرب إلى عمله، نظراً إلى الأوضاع الأمنية المترنّحة، إلّا أنّ الإدارة أحالته إلى لائحة الانتظار.

وخوفاً من ألّا يجدَ مقعداً لابنه تقدّمَ من مدرسة أخرى عريقة، قُبِل طلبُه، وتمَّ تحويله إلى الصندوق حيث دفعَ رسمَ التسجيل 600 دولار. ولكن بعد 3 أيام تَبَلّغ الموافقة من المدرسة الأولى، طارَ فرحاً، وذهب لمراجعة الإدارة علّه يسترجع مالَه، فكان الجواب المدوّي: «خَلص موسيو، راحو عليك، هيدا المبلغ كِلفة فتح ملف حساب لإبنك».

الأب عازار

رفعنا هذه العَيِّنة مِن المشكلات التي تتكرّر مع الأهالي إلى أمين عام المدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار، الذي يبدو مدركاً لوجود «شواذات لدى بعض الإدارات»، حتى إنّه لفتَ إلى تلقّيه «إتّصالات مراراً تطلب منّي التوصية بأحد الطلّاب في مدرسة معيّنة».

إلّا أنّه يؤكّد في حديث لـ«الجمهورية»: «ليست الغاية استبعاد عائلات على حساب أخرى، إنّما تصويب خَيار الوالدين، فللمدارس الكاثوليكية مبدأ عام، أبوابُها مفتوحة للجميع، وليس لطبَقة من دون أخرى، كونها تنبع من روحانية الكنيسة الجامعة»، مشيراً إلى وجود مدارس خاصة شبه مجانية مدعومة من الرهبانيات، على نحوٍ لا يُحرَم أيّ طالب من حقّه في التعلّم».

وعن موقفِه من الأسئلة التي تتوقّف عندها بعض الإدارات خلال درس طلبات التسجيل، من مستوى تعَلّم الاهل، إلى نوع الوظيفة، إلى الراتب… يوضِح عازار: «ليس الهدف استبعاد الطلّاب غير الميسورين، ولكن لا بدّ من أن تنظر الإدارات إلى إمكانيات الأهل في تسديد الأقساط، لضمان عدم تعثّرهم منتصفَ العام الدراسي، فيُحرَجون ويضعون ابنَهم في موقف لا يُحسَدون عليه».

ويتابع: «غالباً ما نرسِل توجيهات عامّة إلى المدارس، مفادُها تحاشوا تراكُمَ الأقساط المدرسية، بذلك نساعد الأهل على انتقاء الأفضل لهم ولا يُثقِل كاهلهم»، مشيراً إلى أنّه «ضدّ وجود طبَقية إطلاقاً».

والمدارس التي تستفسر عن حسابات الأهل على مواقع التواصل الاجتماعي، ومدى اطّلاعهم الإلكتروني، يلفت عازار، إلى أنّ «رغبة السعي نحو التطوّر تتملّك تلك المدارس، وباتت في حاجة إلى ملفّ متكامل تضعه في أيدي متخصّصين، من مرشدة إجتماعية إلى معالجة نفسيّة… ليس الهدف الطبَقية أو التفاوت الثقافي، إنّما معرفة التصرّف في حال واجَه التلميذ مشكلة ما، فيكون ملفّه جاهزاً، من ناحية خلفيّة أهلِهم، عملِهم، بيئتِهم…».

ديون تُهدّد المدارس

ويتوقّف عازار عند حالات تتكرر: «عائلات غير ميسورة لا تقتنع بمغَبَّة تراكُم الأقساط عليها، في وقتٍ ليس بوسعِ الإدارات اللجوء إلى الخصومات، وسط مصاريف أكاديمية، لوجستية، وغيرها، وإلّا تغرَق في الديون وتقفِل أبوابَها وتَحرم بذلك البقيّة من الطلّاب من فرصة التعلّم». ويلفت عازار إلى أنّ المجلس التحكيمي التربوي ينظر سنوياً بأقساط مدرسية مكسورة أو متراكمة تتخَطّى الـ40 مليار ليرة».

أمّا في ما يتعلق بلائحة الانتظار، فيعتبر عازار أنّها من المستلزمات التنظيمية، موضحاً: «ما مِن أولوية لأحد بصورةٍ عامّة، ولكن هناك استثناءات، لا شكّ في أنّ تسجيل الولد الثاني مع أخيه أسرَع من قبول طالب جديد، بديهياً، مِن غير المنطق تقسيم أفراد العائلة الواحدة، وكذلك الأمر، أحيانا يحرَص الأهل على تعليم أولادهم حيث تعلّموا، ممّا يُسَرّع في الموافقة على الملفّ».

يضيف: « لذا قد لا يكون للتلميذ الجديد «مطرح»، ولكنّ الإدارة على عِلم بأنّ أحدَ طلّابها سيغادر، سيسافر… فتطلب التريّث، بينما بعض الأهل يترجمونها انتقاصا لشأنهم، فيفضّلون البحث عن مدرسةٍ أخرى».

خِتاماً، بصَرف النظر عن وضع الأهل، يُجمِع المراقبون على أنّ التهافت على الطلّاب الميسورين، هو أحد أوجه السِباق بين عدد من المدارس المرموقة، التي تنشغل بتلميع صورتها وتخشى من مغَبّة الأقساط «المكسورة». توازياً، مَن يضمَن ألّا تعمدَ بعض المدارس إلى رفع أقساطها كوسيلةٍ لغربلةِ طلّابها؟ وإلّا فما الذي يبرّر عدم التردّد في قبول طالب والدُه يعمل في الخارج، ووضع آخر على لائحة الانتظار تمهيداً لرفضه؟

المصدر: الجمهورية

قد يعجبك ايضا