موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

هكذا نهبت المافيا السورية – اللبنانية الاقتصاد اللبناني

محمد ابي سمرا – النهار

هل يتمكن اللبنانيون يوماً من اجتراح تدبير لمصالحهم ومشكلاتهم وانقساماتهم المزمنة خارج الاصطفافات الطائفية؟ يستحيل الجواب عن هذا السؤال الكبير وأمثاله من دون إنجاز تأريخ، بل تواريخ سياسية واجتماعية وحربية للبنان الحديث.

الدكتور عبد الرؤوف سنو قدّم محاولتين وثائقيتين في هذا المجال. الأولى صدرت في العام 2008 عنوانها “حروب لبنان 1975 – 1990: تفكّك الدولة وتصدع المجتمع”، وضمّت مجلدين. أما الثانية فصدرت حديثاً، ضمن سلسلة “نصوص ودراسات بيروتية”، عن “المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت”، حاملةً عنوان “لبنان الطوائف في دولة ما بعد الطائف: إشكاليات التعايش والسيادة وأدوار الخارج”.
العناوين الأساسية التي يتمحور عليها التأريخ الوثائقي الذي يقدمه عبد الرؤوف سنّو في محاولته الثانية، تندرج في فصول أربعة، تعالج التعايش الطائفي في لبنان، وأزمة السيادة اللبنانية، وأوار الخارج في أزمات ما بعد اتفاق الطائف الذي وضع خاتمة للحرب.
تحت عنوان “الطريق المسدود الى الدولة الحديثة”، نقرأ تتبعاً لمستجدات الطائفية السياسية/ المذهبية والمجتمعية في لبنان، ومناقشة لفرضية تعتبر الطائفية السياسية والطائفية المجتمعية سمتين متداخلتين، بدأتا أقله بعد العام 1943، وتتغذى واحدتهما من الأخرى، وتسيران جنباً الى جنب.
لكن المؤرخ في معالجته مقولة “العيش المشترك”، يعود الى ما بعد قيام دولة لبنان الكبير في العام 1920، مقارناً التعايش الطائفي في زمن الانتداب الفرنسي ودولة الاستقلال، مع ما استجد من مشكلات بعد اتفاق الطائف الذي لم يُطبَّق، أو طُبِّق على نحو استنسابي سيئ، استهدف تهميش المسيحيين، وخرق الدستور والقوانين، وفشل في علمنة الأحوال الشخصية. وهذا في مقابل تعزيزه التعليم والإعلام الطائفيين، وإلغائه العمل النقابي الحر، وإلحاقه بالأحزاب والجماعات والزعامات الطائفية، إضافة الى إشاعته ثقافة الخوف بين الجماعات. حدث ذلك كله في ظل الاحتلال السوري الذي غيَّب فكرة الوطن، وجعل السياسة ولاءً ذليلاً لضابط مخابرات، وصولاً الى تغييب المجتمع على الطريقة السورية التي أدت أخيراً الى “ثورة الأرز”، قبل الثورة السورية السلمية على نظام الأسد الذي حوّلها حرباً أهلية مدمرة.
في خلاصة هذا التأريخ، يخلص سنو الى صوغ أسئلة مستقبلية حول ما يريده اللبنانيون: إبقاء النظام السياسي الطائفي، أم التحول الى الدولة المدنية، أم الى الدولة الفيديرالية؟

المافيا الاقتصادية
قد يكون الفصل الثاني من الكتاب هو الجديد والأهم، لأنه يتناول آليات عمل النظام السوري وممارساته في لبنان طوال حقبة الاحتلال (1990 – 2005). نقرأ في هذا الفصل تأريخاً وثائقياً مسهباً لمسار تحكّم نظام الأسد بالمؤسسات اللبنانية كافة، وبالجماعات الطائفية، عبر ترهيبها وتعميق انقساماتها في ما بينها، وفي داخلها، وصولاً الى نهب مقدّرات لبنان الاقتصادية، وإشاعة الفساد السياسي والمالي والإداري، وإرسائه كممارسة بنيوية في السياسة والاقتصاد والإدارة. فالأرقام تشير الى أن نهب الطغمة الأمنية السورية للإقتصاد اللبناني ما بعد اتفاق الطائف، تقدَّر بملياري دولار سنوياً، كانت تذهب الى أركان النظام البعثي السوري، وليس الى الخزينة السورية. مصادر هذا النهب هي: عائدات الكهرباء والهاتف، الخوّة على النفط، عائدات كازينو لبنان، تلزيمات الأوتوسترادات بأسعار خياليّة، مرفأ بيروت ومطارها. أما تحويلات العمال السوريين في لبنان بين 1993 و2005، فبلغت 7,6 مليارات من الدولارات، إضافة الى 4 مليارات دولار جناها النظام السوري من إغراقه السوق اللبنانية بالسلع الرخيصة. هذا النهب احترفته “مافيا سورية – لبنانية” مشتركة بين 1993 و0420، فبلغ ما جنته هذه المافيا 38 مليار دولار، وخصوصاً من مشاريع حكومات رفيق الحريري للإنماء والإعمار واستجلاب القروض. وكانت المؤسسات الاقتصادية اللبنانية كافة، تُضطر الى دفع خوّات شهرية الى الضباط السوريين: 5 آلاف ضابط يعاونهم لبنانيون متغلغلون في 140 مركزاً وإدارة ومؤسسة، في طول البلاد وعرضها. عن ذلك نشأت هيكلية سوداء متماسكة، تبدأ من دمشق، وتمر في عنجر، وتتوزع شبكاتها للنهب في الديار اللبنانية كافة. ويؤكد عبد الحليم خدام، بعد انشقاقه عن النظام الأسدي، أن المبالغ التي نهبها المحيط الرئاسي السوري من لبنان تتخطى عشرين مليار دولار. ويشير تقرير ديبلوماسي فرنسي سري يعود الى 16 آذار 2005، الى أن ضباط مخابرات سوريين و/أو أبناءهم وشركاءهم، سحبوا نحو 400 مليون دولار من المصارف اللبنانية، قبيل انسحابهم من لبنان بعد اغتيال الحريري. مصدر هذه المبالغ: تجارة السلاح والمخدرات، وعمليات تجارية مع النظام العراقي، إضافة الى النفط المهرب. ومن الأسماء الواردة في التقرير الفرنسي: غازي كنعان، ابنه يُعْرُب، رستم غزالة، هشام بختيار، رامي مخلوف، جمال عبد الحليم خدام، العميد ذو الهمة شاليش، والعميد محمد عيسى دوبا، شقيق علي دوبا الشهير. وقدّرت الأموال المنهوبة من “بنك المدينة” بما بين 800 مليون ومليار دولار.

قد يعجبك ايضا