موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

السخرية التي دمّرت هالة “داعش”: “صليل الصوارم” وأخواتها

ليال حداد – العربي الجديد

بينما يستخدم “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ داعش” كل تقنياته لإنتاج أفلام عالية الجودة تثبت لكل مشاهد مدى إرهابه، يعمل مواطنون عاديون، من خلف حواسيبهم على تدمير أسطورة التنظيم. وكما يتقن “داعش” جيداً فن القتل والذبح، يتقن هؤلاء الناشطون لعبتهم: السخرية.

صليل الصوارم

نبدأ من النهاية. من نشيد “صليل الصوارم”. النشيد يستخدمه التنظيم كخلفية لعدد كبير من فيديوهاته. يصوّر على إيقاعه مشاهد اقتحام مراكز، وتدريبات، وتلويح بالأسلحة والسيوف، وقطع رؤوس وغيرها من مهمات “داعش” اليومية. بتقنية قادرة على إبهار المشاهد كل مرة، يقدّم التنظيم من خلال قنواته الخاصة “الفرقان”، “الاعتصام”، و”الحياة” فيديوهات تواكب يوميات مقاتليه بعنوان “صليل الصوارم”. فيديوهات تنشر على أكثر من جزء، يستعرض فيه المقاتلون تفاصيل حياتهم بطريقة ترويجية.
هكذا ولأشهر ظل نشيد “صليل الصوارم” مرادفاً للرعب. مرادف للقتل والرؤوس المقطوعة. ثمّ… تغيّر الواقع: “صليل الصوارم” كان أكثر الأناشيد ترفيهاً خلال الأسبوع الماضي. لماذا؟ الحقيقة يجب علينا أن نسأل المصريين. فبعد أيام على ذبح 21 مصرياً في ليبيا، وبدل أن ينتشر الرعب والخوف من “داعش” في أوساط المصريين، فإن “المصري أبو دم خفيف” عاد على ملعبه الاحترافي وهو السخرية. مئات الفيديوهات اجتاحت بين ليلة وأخرى مواقع التواصل: أحمد حلمي، عادل إمام، أحمد مكي، عمرو دياب، كلّهم رقصوا على “صليل الصوارم”. بعملية مونتاج بسيطة، تحوّل النشيد إلى النشيد الأكثر تداولاً على مواقع التواصل. حتى الراقصة صافيناز هزّزت خصرها على النشيد. وامتدت هستيريا “صليل الصوارم” إلى الصور. وها هي صورة عمرو دياب وتحتها أغنيته الجديدة: “صليل الصوارم والشارع زحام، وساكت كلامنا ما لاقي كلام”. هكذا بـ”تاتش” مصرية صغيرة تنتهي اللعبة.
“هو طبيعي إني أنام وأصحى وانا بغني صليل الصوارم”، يسأل أحد المغردين المصريين على مواقع التواصل. وهي تغريدة تختصر الانتشار الواسع للنشيد وللفيديوهات الساخرة منه. وهي السخرية التي امتدت إلى باقي الدول العربية، فصمّم اللبنانيون الفيديو الخاص بهم على أنغام “صليل الصوارم”، كذلك فعل بعض الناشطين السوريين.

“صليل الصوارم” إذاً هو عنوان المرحلة. وقد تصدّر وسم “#صليل_الصوارم” الترند في مصر وفي عدد من الدول العربية.
مستهلك الكلام عن السخرية في مواجهة “داعش”، في مواجهة “الإرهاب” عموماً. مستهلك لكن ضروري. فعلها العراقيون منذ سنوات مع “ازدهار” علميات تنظيم القاعدة. يفعلها السوريون حالياً. يفعلها اللبنانيون. ويبرع فيها المصريون.
طبعاً وسط موجات الضحك المستمرة على الفيديوهات، ينتشر النشيد سريعاً، يستمع إليه الآلاف. تظهر فرضية الترويج غير المباشر عن طريق السخرية. فرضية انتشار النشيد عن المتلقي “الهشّ”.

البرامج الكوميدية

قبل أشهر نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية تحقيقاً مطولاً عن البرامج الكوميدية العربية التي تسخر من صعود نجم “تنظيم الدولة”. بدأت بالكلام عن برنامج “دولة الخرافة”، البرنامج العراقي الساخر للمخرج علي قاسم. يجسّد أبطال العمل أدوار مقاتلين في تنظيم “داعش”، بطريقة ساخرة تكشف إجرام التنظيم وطريقة تفكيره المزدوجة تجاه “العدل والحق والحرية” وحتى تفسيره المريب للنصوص الدينية، وطريقة تطبيقها. وبدا البرنامج مخاطرة حقيقية في ظلّ تمدد التنظيم في البلاد، وإحكام سيطرته على مناطق عدّة وتنفيذه حكم الإعدام وقطع الرؤوس بحق ناشطين ومدنيين وصحافيين.
وفي لبنان لم يختلف المشهد. فبرامج مثل “بسمات وطن” و”ما في متله” وغيرهما من البرامج المصنّفة كوميدية تسخر في حلقاتها الأسبوعية من التنظيم ومن مقاتليه. لكن السخرية غالباً ما تكون مبتذلة، وتفتقد الذكاء، بل يمكن القول إنها تتّجه أحياناً توجّه الانتقاد الطائفي، وهو ما أثار مراراً موجة انتقاداً لهذه البرامج. وقد أدت هذه السخرية إلى تهديدات يتلقاها بعض المخرجين والممثلين في هذه البرامج.

نكات وأغان

أمام قدرات التنظيم الكبيرة في القتال وحصوله على أسلحة كثيرة، لا يملك المواطنون العرب سوى السخرية، والغناء والرقص على إرث “داعش”. على مواقع التواصل انتشر فيديو من أحد الملاهي اللبنانية وفيها مغنّ يغني ومعه المئات ضدّ داعش، وهم يرقصون ويدخنون. المشهد بدا سرالياً: كمية التعارض في فيديو واحد مدته دقيقة، هائلة. نساء يرقصن ويتمايدن، رجال يشربون، ومطرب يصفق ويغني، وكلمات عن “داعش” و”القتال” و”باقية تتمدّد”. هي أساساً السريالية التي نعيش فيها من سنوات في العالم العربي.
لكن وفيما يغني ويرقص اللبنانيون لمواجهة “داعش”، يواصل المصريون اختراع النكات عن التنظيم. لعل الأكثر انتشاراً كانت تلك التي تروي تفاصيل رحلة مقالتي “داعش” لاحتلال مصر. ليتحولوا في نهاية النكتة إلى مصريين أصيلين ويوجّه أحدهم كلامهم على أبو بكر البغدادي قائلاً له: يا عم هو انت مش ها تتشطر إلا علينا… وأدي الدقن، وأدي العمة، يلا يا حاجة”. ويترك المقاتل التنظيم ليتوجّه ويأكل من عربية الكبدة الواقفة في نصف الطريق.

[إقرأ أيضاً: الإعلام اللبناني… كلّ هذه العنصرية]

أما في سورية فالنكات تحوّلت إلى أسلوب حياة لانتقاد ممارسات “داعش”، مع تدوينات وتغريدات على مواقع التواصل ليوميات حقيقية يصادفها سوريون يعيشون تحت حكم التنظيم. يسخرون فيها من وضعهم في وقت يبدو فيه العالم متغافلاً تماماً عن الجحيم الذي يعيشه هؤلاء.

المعركة أولاً في الإعلام

ليس كل ما سبق مجرّد موجة سخرية وتنتهي. هي أساس في مواجهة التنظيم. هي أسلوب حياة، ووسيلة ضرورية في معركة الانتصار على التنظيم، أوتدمير أسطورته وهالته كتنظيم لا يقهر.
في العام 2005 أرسل الرجل الثاني وقتها في تنظيم “القاعدة” أيمن الظواهري رسالة إلى أبو مصعب الزرقاوي يقول له فيها: “نحن في معركة ونصف هذه المعركة تدور في الإعلام”. وبالفعل أدرك تنظيم “القاعدة” أهمية اللعبة الإعلامية، فاجتاح المنتديات الحوارية، ثمّ بدأ بتصوير رسائله وإرسالها إلى الإعلام (“الجزيرة” تحديداً). تطوّر تنظيم “القاعدة” أو لنقل ولَد أطفالاً أكثر دموية، مثل “داعش”؟. والطفل سرّ أبيه. طوّر تقنياته الإعلامية. ليواجهه هذه المرة إعلام من نوع آخر، إعلام ساخر يدمّر جدياً أسطورة “داعش” ويفقده وهجه الدموي.
ويغرق الإعلام التقليدي في تغطية باهتة لعمليات “داعش”، تغطية تتراوح بين حفلات الندب واللطم وبين الخطابات الوطنية والصور الكوميدية للجيوش العربية وهي “تقضي على مقاتلي داعش”.

قد يعجبك ايضا