موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

سيدة لبنانية تنام على البحر!

مصطفى رعد – موقع مختار

نسيت مريم عبق الأماكن لكثرة ما تنقلت هي وخيمتها بين ميناء بحري وآخر. نسيت اسمها أيضاً. ينادونها مريم، لأنهم لا يعرفون اسمها، فإلتصق الإسم بها، وأصبح ملازماً لها. يعرف صيادو عين المريسة غصون فرزات(50 عاماً) منذ سنوات طوال. يتذكرون جنونها في إحدى المرات حين مزقت جزءاً من ثيابها، وهي تصرخ بأسماء أولادها. أولادها الذين كانوا لها وحرمت منهم، إثر طلاق غابر.

تأقلمت غصون مع طبيعة وظروف سكنها. لطالما فكرت أن تشتري شقة مطلة على بحر بيروت، منذ أن كونت صورة عن حلمها المستقبلي بتأسيس عائلة سعيدة، إلا أن حلمها تلاشى. استقرت غصون على البحر، في خيمة صغيرة وسريرٍ صغير، مبللاً بالأمواج العاتية التي تضرب ميناء عين المريسة ليلاً ونهاراً.

تعيش غصون على ميناء عين المريسة منذ 7 سنوات. لا ينتبه أحداً إليها، رغم أن سريرها المبلل بالماء، دون ميناء الكورنيش، يبدو واضحاً لكل الناس، وخصوصاً حين تقوم القوى الأمنية بإزالة السرير وشبه الخيمة بين فترة واُخرى.

تعتاش غصون من كرم الصيادين وكرم البحر إلا أنها في المقابل لا تقبل أن تحصل على أي مبلغ مالي. تقف فوق مجرور الصرف الصحي الذي يقذف بأوساخ المدينة نحو البحر وتصطاد السمك، إسوة بالصيادين الذين يصطادون السمك الملوث بالبلاستيك والمواد السامة. تؤجر أيضاً صنارة الصيد التي تملكها لقاء مبلغ رمزي جداً، ويعطف عليها بعض الصيادين ويعطونها بعضاً من الأسماك لكي تبيعها.

تروي غصون أنها كانت تسكن في فيلا في منطقة فتري قضاء جبيل، مع بناتها الأربع، قبل أن يقرر زوجها رفع ورقة الطلاق في وجهها. الطلاق حدث في العام 2003. يومها قرر زوجها أن يرسلها إلى مستشفى المجانين(دير الصليب) في منطقة الفنار، متذرعاً بأن غصون تريد التخلص منه، بعد مضي أكثر من 15 عاماً على زواجها.

لم ينجح زوجها، بحسبها، في وضعها في الدير، لأنها لم تكن تعاني من أي خلل عقلي، ولم يثبت أنها مجنونة. إلا أن الزوج، بحسب ما قالت، عاد ورفع عليها دعوى قضائية بتهمة محاولة قتله، وسجنها في سجن النساء في بعبدا لفترة 6 اشهر.

خرجت من السجن لتصبح في الشارع. نامت فترة لا بأس بها في سيارتها، قبل أن تجد مكاناً بسيطاً في منطقة الدالية لدى صيادين من آل العيتاني، على مقربة من صخرة الروشة. لم تستطع أن تتأقلم في الدالية فغادرت. فتحت متجراً صغيراً لبيع وتركيب الستائر في بيروت، ومن ثم فتحت فرناً صغيراً للمناقيش في منطقة كفرشيما.

تعرضت في كفرشيما للأسوء. اصيبت خاصرتها بضربة سكين من أحدهم، بهدف سرقة غلة فرن المناقيش الذي شغلته في كفرشيما. اغلقت فرن المناقيش لعدم تمكنها من دفع قيمة ايجاره.

انتقلت غصون لاحقاً لتنام تحت الأشجار، بالقرب من مطعم قريب في عين المريسة. بقيت تنام هناك في العراء، حتى طلب أحد العاملين في المطعم الحصول على خدمات جنسية ليبقيها في مكانها، ولكنها رفضت. اشتكى العامل للقوى الأمنية متذرعاً بحجة احتلال غصون للأماكن العامة، فقام الدرك بإزالة خيمتها ورميها في البحر، هذا بالإضافة إلى دخولها السجن مدة 18 يوماً.

معاملة القوى الأمنية، تصفها غصون بـ “الوحشية”، كلما “دس” أحدهم “خبرية” عنها. اعتقلوها مراراً بحجة “السكر الظاهر عليها”، لكنهم عادوا واطلقوا سراحها.

مصدر أمني قال في حديث إلى “مختار” إن “لا شبهات أمنيةٍ على غصون المعروفة بمريم، إلا أن القوى الأمنية تقوم بتسطير محاضر سكر ظاهر بحقها كل فترة، وهي تتنقل بشكل دوري بين بيروت وجونيه وجبيل ولا تتواجد في عين المريسة بشكل يومي”.

لا تريد غصون من الدولة إلا أن ترحمها. الرحمة مطلوبة من الدولة ومن بناتها اللواتي لا تعرف عنهن خبراً واحداً. لا يسألن عنها، لكنها لم تنساهن يوماً واحداً. تتذكر اسمائهن واعمارهن. ماري(20 عاماً) وبيرنا(19 عاماً) وسارة(18 عاماً) ولارا(17 عاماً).

إحدى طالبات الجامعة الأميركية في بيروت، ساعدت غصون على مشاهدة صور ابنتها البكر ماري على موقع فايسبوك. شاهدتهن في الصور، تلمست شاشة الهاتف، ولكنها لم تشعر بتلك الحميمية التي تشعر بها حين كانت تحضن بناتها.

قد يعجبك ايضا