موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

“الجديد” وقصة إبريق “الاستقصاء”

صهيب ايوب – المدن

من المعيب أن “صحافية”، حاولت استدراج متحرش ينتمي الى مؤسسة دينية، تسمّي نفسها بالـ”محقّقة”. ففي حلقة الإثنين من برنامج “للنشر”، الذي تقدمه الإعلامية ريما كركي، وفي 12 دقيقة ونصف الدقيقة، شاهدنا تقريراً وتعليقاً من المتحرش، وأسئلة أشبه بمحاكمة (تبشيرية) مارستها كركي على المتهم – المفترض أنها في اتصال معه، من دون إظهار هويته الحقيقية (حفاظاً على كرامته، وفق القناة)، على أنه عمل صحافي “جديد” يعتمد الاستقصاء والتحري، والبحث.

لكن، إتضح وقوع البرنامج في ما يشبه طريقته في إسقاط الناس، سقوط غير مهني لاستدراج المشاهدين، الذي تبين لاحقاً أن عليهم ألا يكونوا قد تجاوزوا الـ18 سنة (يشار الى أن كركي وبعد عرض التقرير، وفي بداية مداخلتها، اكتشفت ان المعدّين وضعوا اشارة “فوق الـ18 عاماً” على التقرير، خوفاً من اي التباس في نوعية المشاهدين).

ظهر “الأبونا” بشكل خفيّ، وعبر طريقة مثيرة – رخيصة وهو يقنع المراسلة بأن تلمس له عضوه. ليتبين عبر التقرير الذي وقّعته المراسلة (زهراء فردون) باسمها، انه محاولة اثبات للواقعة، وهي بحسب كركي، لبث “الصدمة” في المشاهدين. وبهذا الأداء الإعلامي، لم تنفذ المحطة تقريراً مهنياً، يبحث عن ضحايا الكاهن، ويستصرحهم، مثلاً. نفذ التقرير بالتلاعب، وإنزال الاغواء بالرجل السبعيني، وثبت جرمه بالتأكيد.

يعرف هذا النموذج في علوم الإعلام، بأنه “صدمة المشاهد”. لكن عادة تكون الصدمة ايجابية ومفيدة، بما فيها صلاح المؤسسات العامة وقضية مثيرة للجدل، ولكشف حقائق تهم الرأي العام، على غرار ما تنشره “بي بي سي” من قضايا تهم المواطنين البريطانيين (فساد الأغذية مثلاً).

لكن السؤال هنا، هل يعني ان الاعلام لديه هذه المسؤولية “الصادمة” (السلبية التي تأتي ولو بشكل مبتور في اطار التشهير) للمشاهدين، لإدانة حالات فردية، وتعميمها على مؤسسات دينية كانت أو مدنية؟

لا دفاع هنا عن الشخص المتحرش أو المؤسسة التي ينتمي اليها. لكن يحق لنا السؤال أيضاً، عمن يقرر تلك المساحة بين ما هو قانوني، وبين ما يجوز فيه تغليب حق المعرفة والتعميم والنشر على الإجراء القانوني في عمل الصحافيين؟. خصوصاً أن تلفزيون “الجديد” نفسه كان استنكر، سابقاً، طريقة استدراج الوزير ميشال سماحة (عبر ميلاد كفوري المزود بكاميرا وميكروفون)، واعترافه بمخطط تفجيرات، لو تحققت لهزّت الأمن القومي؟ ام أن ما لا يمرّ في خطها الإيديولوجي – السياسي، لا تُحتسب له مهنية أو نقد.. بينما تبث تقارير يمكن وصفها بالرخيصة وغير المجدية في ملاحقة المتحرش على ما يبدو (فماذا استفدنا؟)، في حين أن الهدف هو تسجيل نسبة مشاهدة عالية، عبر زيارات لاحقة للفيديو في “يوتيوب”.. وهذا يستحق وهدف نبيل؟

ظهرت المراسلة، التي استخدمت أسئلة ساذجة، كأنها دفعت الرجل “المهتاج” الى التحرش بها، مسجلة بالصوت والصورة، كيف يتقرب منها ويلمسها ويقنعها بأنه رجل “على كيف كيفها”، ويمكنه رغم سنه ان يداعبها و”يبسطها”. وكان كل ذلك في تقرير ممنتج بطريقة مثيرة للدهشة والاستغراب ايضاً، يرافقه عبر الشاشة تفسير مبسط (شعبوي) للكلمات التي ينطقها والجمل البذيئة التي حاول فيها ان يقنعها بـ”عربون” سريع، قبل ان توقع على اوراق تطوعية في جمعيته الاجتماعية التي يرأسها، والتي على اساسها نفذ التقرير لإدانة الرجل الذي يستخدم مكانته هذه في استدراج النساء والفتيات.

المراسلة “اللعوب” التي جرّت “الأبونا” السبعيني، في مكتبه للتغزل بها، وهو يقول انها “طيبة” (لفظ شوارعي للدلالة على إثارتها)، أصرّت وبطريقة فظة على اقناعنا انها حققت سبقاً صحافياً، هي والبرنامج والقناة التي تعمل فيها. فبدونا، كلنا، أمس، ونحن نشاهد التقرير، مشمئزين، بقدر متساوٍ، منها ومن المتحرش العجوز، الذي تفنن في إغراءاته للفتاة، وهو يفتح لها سحاب بنطاله، ثم يحاول تقبيلها وهي ترفض بشيء من الضحك، والتمنع المقصود، في طريقة أشبه بأفلام الهواة، وتسأله بإصرار سخيف للاستدلال على انه يعمل في مؤسسة كنسية، “طيب مش حرام هيدا الشي ابونا؟”.

ليس الأمر جديداً على برنامج “للنشر”، منذ أيام طوني خليفة. ابتذال بحجة محاولة إصلاح المجتمع ومحاسبة المقترفين (وهل لدى الإعلام مسؤولية إصلاح نفوس البشر وتقويم رغباتهم؟). تسأل كركي “الأبونا”: مش لازم يكون عندك ضوابط كونك رجل دين؟ ولعلنا نسأل: ماذا عن الضوابط الإعلامية التي تسلّع المراسلة، وترخّص العمل الصحافي إلى فيلم إباحي (كان يمكن أن يكون أقصر ويوصل الفكرة نفسها.. فالإطالة للإثارة!)، وذلك بحجة “الاستقصاء” والعمل “under cover” وتغلّب الإثارة على القضية التي ظلّت بلا فاعل لأنه مجهّل!

قد يعجبك ايضا