موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

“تسوية كبرى” تشرّع أبواب السراي أمام الحريري من جديد..

حسين عاصي – النشرة

شيءٌ ما تغيّر في “غربة” رئيس “تيّار المستقبل” سعد الحريري…
منذ ما قبل عودته إلى لبنان عشية ذكرى اغتيال والده رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط الماضي، والرجل يوحي بهذا “التغيير” بشكلٍ أو بآخر.
من انفتاحه على “حزب الله” تحت عنوان “تنفيس الاحتقان”، مرورًا بتقاربه غير المسبوق مع “التيّار الوطني الحر”، وصولاً إلى “مغازلته الصادمة” لإيران، كلّها عوامل تؤكد بما لا يقبل الشكّ أنّ شيئًا ما تغيّر، بل إنّ الحريري “المغترب” لم يعد نفسه..

فتّش عن السبب..
شيءٌ ما تغيّر إذًا. هي حقيقة لا يمكن نكرانها، كما تؤكد مصادر سياسية متابعة، حقيقة جزم بها الحريري نفسه، في الكلام الأخير الذي صدر عنه في زيارته لمصر، والذي بدا “صادمًا” لأنصاره أكثر من خصومه. هنا، تشير المصادر إلى ما قاله الحريري بالتحديد عن إيران على هامش هذه الزيارة، حين قال أنّ ملاحظاته على الجمهورية الإسلاميّة لا تعني أنّه ضدّها أو أنّه يستطيع تجاهلها، في كلامٍ غير مسبوق من رئيس “تيار المستقبل” الذي لطالما صوّب بشدّة نحو إيران، وهو الذي رفض في السابق تحويل لبنان لما أسماه “محميّة إيرانية”.
كلام الحريري عن إيران كافٍ للدلالة على التغيير الآتي لا محالة، بحسب المصادر، فإذا كان الرجل قادرًا بصعوبة على إقناع قواعده الشعبية بجدوى الحوار مع “حزب الله” بوصفه ضرورة من أجل الحفاظ على التهدئة والاستقرار في البلد، وكذلك على إقناعهم بضرورة مدّ جسور التواصل مع رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” العماد ميشال عون بوصفه شريكاً أساسيًا في الوطن، ونظرًا لخطورة الفراغ الرئاسي الذي تعيش البلاد على وقعه منذ أشهر، فإنّ السؤال الأكبر حول التبريرات التي يمكنه أن يعتمدها إزاء هذا “الانقلاب الجذري” في مواقفه من إيران.
وفقاً للمصادر، هناك تفسيرٌ واحدٌ وواضحٌ لذلك، وهو أنّ الرجل، ورغم كلّ ما يظهر في العلن، غير مرتاح للتبديلات الحاصلة في المملكة العربية السعودية، بُعيد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز وتنصيب الملك سلمان خلفًا له، باعتبار أنّ علاقته مع الملك الراحل والفئة التي كان يمثلها كانت أفضل بأشواط، وقد زاد “توجّسه” مع إعفاء رئيس الديوان الأميري خالد التويجري من مهامه في المملكة، وهو الذي كان مقرّبًا منه، فضلاً عن تعيين الأمير محمد بن نايف ولياً لوليّ العهد، وهو الذي يعرف القاصي والداني أنّ “لا كيمياء” بينه وبين الحريري، على عكس وزير الداخلية نهاد المشنوق.

عين “الشيخ” على السراي..
الحريري غير مرتاح إذاً للتبدلات السعودية، تقول مصادر مطلعة، على الرغم من نفي مصادر “تيار المستقبل” لذلك في العَلَن، وهي التي تذهب للقول أنّ زيارة الحريري لمصر كانت أصلاً بتنسيقٍ كاملٍ مع المملكة، بل إنّ الكلام الذي صدر عنه في أرض الكنانة كان يمثل وجهة النظر السعودية أولاً وأخيرًا.
برأي المصادر السياسية، فإنّ كلّ ذلك يقود إلى حقيقةٍ ثابتةٍ أخرى، وهي أنّ الرجل بات يفكّر جديًا بالعودة إلى رئاسة الحكومة في لبنان، وهو يتلقف الإشارات التي تصله من أكثر من مكان على هذا الخط، ومنها على سبيل المثال ما صدر بالأمس عن رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي قال صراحة أنّ “المناخات الإيجابية التي ولّدها الحوار جعلت عودة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة ممكنة، إذا أراد هو أن يتصدى لهذه المسؤولية في المرحلة المقبلة”، إضافة إلى التسريبات التي تتحدّث باستمرار عن “طرحٍ” يقضي بعودة الحريري إلى السراي مقابل انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية، وهي “مقايضة” يُقال أنّها باتت في “المطبخ” وعلى “نار حامية”.
ما يؤكد هذا المسار هو تكثيف الحريري لنشاطاته بشكلٍ غير مسبوق في الآونة الأخيرة، فالرجل الذي غاب بشكلٍ شبه كامل عن الأضواء في بداية “غربته” بعيد إسقاط حكومته بالضربة القاضية قبل سنوات، بات اليوم لا يوفّر مناسبة وإلا ويدخل من بوابتها لتسجيل موقفٍ هنا أو إطلاق تصريحٍ هنا. إلا أنّ المصادر تشدّد على أنّ الموضوع، ورغم كلّ هذه المؤشرات، ليس بهذه السهولة والبساطة، فهو قد يتطلب تسوية كبرى لا تتوقف مفاعيلها على الوقائع المحلية، بل تتطلب تفاهمًا سعوديًا إيرانيًا، وهذا الأمر ليس قريبا على ما يبدو، لكن من دون أدنى شك الحريري من خلال كلامه عن ايران في مصر أظهر وكأنه أكثر المتحمسين له.

… والخصوم لا يعترضون!
بكلّ الأحوال، تشدّد المصادر على أنّ “خصوم” الحريري في الداخل لا يعترضون على تشريع أبواب السراي أمام الرجل، خصوصًا أنّهم يعتبرونه “الأصيل”، فيما رئيس الحكومة الحالي تمام سلام ليس سوى “الوكيل”، بدليل أنّ “الشيخ سعد”، عند مجيئه إلى لبنان، تصرّف كما لو أنّه هو رئيس الحكومة، وكذلك فعل في زيارته لمصر، وفي العديد من المحطات في الآونة الأخيرة، حيث كان هو من يأمر وينهى، وهو صاحب القرار المفصليّ والكلمة الأخيرة.
وإذا كان العماد ميشال عون من أكثر “المتحمّسين” لمثل هذه العودة إيمانًا منه بأنّها ستشرّع في المقابل أبواب قصر بعبدا أمامه، فإنّ المصادر تؤكد أنّ فوائدها كثيرة، فمجرّد استلام الحريري لرئاسة حكومة تجمعه وخصومه، ولا سيما “حزب الله”، قادرٌ على تحقيق هدف الحوار البعيد المدى بينه وبين الحزب ألا وهو تنفيس الاحتقان بـ”ضربة معلّم”، وبالتالي فإنّ من شأنه تحصين الساحة الوطنيّة، كما أنه يسدّ الأبواب والنوافذ أمام أولئك “الطامحين” و”الطامعين”، والذين يتوهّمون أنّ “سلاح التصعيد ورفع السقف” قادرٌ على إدخالهم إلى السراي الحكومي من الباب العريض، كما تلفت إلى أهمية هذه العودة في تحصين الساحة الإسلاميّة أيضًا ضدّ عواصف “الجنون” التي تضرب المنطقة وتجتاح أخضرها ويابسها، خصوصًا في هذه المرحلة التي تشهد فيها البلاد ما يمكن تسميته بحق بـ”الحرب مع الإرهاب”، خصوصًا في المنطقة الجردية الحدودية مع سوريا، والتي يتمركز فيها الإرهابيون، حيث يخططون لـ”ربيعٍ ساخن” وغير ذلك.

مسألة وقت..
الحريري في السراي، مشهدٌ قد يبدو طبيعيًا ومنطقيًا لكثيرين، خصوصًا بالنظر للحيثية الشعبية التي يمتلكها الرجل، والتي لا يستطيع أشدّ خصومه التنكّر لها، ولكنّه مشهدٌ لا تزال تحول دونه ودون ترجمته عمليًا عقباتٌ، ليس “الهاجس الأمني” بطبيعة الحال جزءًا منها..
المسألة مسألة وقت إذاً، وهي مرتبطة بـ”تسوية كبرى” و”اتفاق إقليمي”، اتفاقٌ يبدو اللبنانيون وكأنّهم “رهنوا” كلّ شيء به، وكأنه وحده سيحمل “الفرج” لهم، ومن دونه يصبح “الانفجار” لا سمح الله محتّمًا!

قد يعجبك ايضا