موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

قصّة إيلي داغر.. ومسبحة ريتا العجائبية

مارلين خليفة – النشرة

عندما يتكلّم الدكتور إيلي داغر عن مسبحة سانت ريتا العجائبية وحكايته معها، تَشعر بأنّه إنسان من عالم آخر، مخطوف بإشارات سماويّة ائتمنَته عليها شفيعة الأمور المستحيلة. فأضحى قلبه الذي داوته وملكته أسير حبّها وأصبح المستحيل عنده أمراً واحداً… الامتناع عن الشهادة يومياً للقوة السماوية التي تحدثها مسبحتها العجائبية.

تدخلُ البيت فلا تشعر أنّك في حضرة مدير كلّية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية سابقاً والمستشار القانوني لرئيسها، ولا أنّك أمام عضو مؤسّس في المكتب السياسي لحزب الكتائب اللبنانية، بل تشعر فقط بأنّك أمام دكتور في عِلم اللاهوت والإيمان.

إستقبلَنا مع عائلته بفرَح وبضحكة مشعّة أضفَت عليها صوَر القديسة ريتا وصوَر مسبحتها العجائبية المتحوّلة يومياً والتي تملأ أرجاء المنزل، إشعاعاً من نور آخر، هو إشعاع إيمانهم وفرحِهم بما فعلَت القديسة في مسار حياتهم عندما دخلت إليها. لم تفارق البسمة ثغرَ إيلي لأكثر من ساعتين وهو يروي لنا ويكشف عن الإشارات التي أنعمَت بها عليه القدّيسة ريتا.

رسالة تنتظرني

داغر يؤمِن بأنّ عتبَة الموت التي كانت على قاب قوسين من حياته عندما ألمَّت به مشكلة صحّية حرجة لم تكن لتحصل فجأةً، لو لم يكن هناك رسالة تنتظره، أرادت القديسة ريتا أن تكون آلامه بدايتها، لتوصِل له من بعدِها مسبحتَها العجائبية، وترسل إلى البشر من خلال تحوّلات تلك المسبحة إشارات سماوية يَتلوها هو عبر شهادات أرضية، أمام كلّ مَن طلبَ بَركتَها، معونتَها، وشفاعتها، أو طلب أمراً مستحيلاً.

ليُخرِجَ إيلي المسبحة التي خبّأها في «جيبة» قريبةً من قلبه الضعيف الذي وضعَه أمانةً في عهدتِها، فحفظَته هي وداوَته، فطابَ وامتلأ بحبّها وفهمَ الرسالة التي تنتظره، وبدأت المسبحة عملَها.

مسيرة المسبحة محطّات

المحطة الأولى: وُلِد إيلي داغر في قرية حردين عام 1956 من أبوين مسيحيَّين مارونيّين، ونشأ وترعرَع على الإيمان المسيحي والتشَفّع للقدّيسين. كان يصَلّي دوماً للقديسة ريتا بتحفيز من والديه، ولكنّ علاقته الخاصة معها بدأت عام 1986 حيث وقّعَ الفصل الأوّل لقصّة طبَعت حياته، بعدما انتقلَ العام 1982 إلى فرنسا حيث نال إجازة الديبلوم في الدراسات العليا من جامعة ستراسبورغ.

وكان عميد الكلّية عرضَ عليه موضوعاً صعباً ومعقّداً منطلِقاً من النتائج التي حقّقها خلال دراسة الديبلوم وأمهَله ستّة أشهر لاتّخاذ موقف منه، وهو تحت عنوان: Volonté et liberté dans les contrats.

بعد عامين من الأبحاث، وجد إيلي نفسَه أمام باب مسدود، حيث لم يتمكّن من بلوغ أيّ جديد في شأن الموضوع، وهو شرطٌ من شروط الحصول على الدكتوراه. وأمام هذا الواقع لجَأ إلى القديسة ريتا بصفتها شفيعة الأمور المستحيلة وطلبَ منها أن تلهمَه الخيار الصحيح.

في الليلة ذاتها، راوَده حلمٌ كلّمَته من خلاله القديسة عن الأطروحة وشجونها. وما إنْ استفاق حتى دوَّنَ ما تبقّى في ذهنه من آثار الحلم، فحَقّق نتائج باهرةً ووصَفه أحد أعضاء اللجنة بـ«البولدوزر»، معتبِراً أنّه هدمَ نظريات سابقة لفقَهاء فرنسيين.

أمّا المحطة الثانية مع ريتا فكانت في العام 1990 في منزل حليم عازار في سنّ الفيل. فخلال تأمّلِه بالصورة ولحظة تساؤلِه عن إمكانية ظهور زيت، إذ بجبينِ القديسة ينضح بنقطة زيت تتدحرَج على الصورة.

المحطّة الثالثة حصلت خلال العام 1994. يومَها تعرّضَت ابنتُه سينتيا وهي في السَنة الثالثة من عمرها لحالة صحّية حرجة، وتبيَّن لاحقاً أنّها تعاني من Hypoglycémie.

عرضَها على طبيب الأطفال الدكتور برنارد جرباقة لمعرفة أسباب هذه العوارض، وجاءت النتائج سيّئة ومقلِقة للغاية. عندها قرّر الطبيب إعادة الطفلة إلى المنزل لنحو أسبوعين ومن ثمّ إدخالَها مجدّداً إلى المستشفى لإعادة الفحوص لها قبل المباشرة بالعلاج.

لجَأ إيلي وزوجتُه ليلى إلى شفيعة الأمور المستحيلة وصَلّيَا تسعاويتها على نيّة سينتيا وسَلّماها أمرَها، فشفيَت. الأمر الذي أذهلَ الدكتور جرباقة والفريق الطبّي اللذين لم يجدا تفسيراً علمياً لذلك.

أمّا المحطة الرابعة، فكانت بعد مشاركته بقوّة وفاعلية في التظاهرات والتحرّكات المناهضة لقرار إقفال الفروع الثانية في الجامعة اللبنانية. يومها شعرَ إيلي بآلام في صدره، وبعد خضوعِه لعملية تمييل القلب أبلغَه الأطبّاء ضرورة إجراء عملية قلب مفتوح خلال مهلة شهر تحت طائلة خطر الموت.

وبعد درس الملف من كلّ جوانبه، ألحّت الغالبية الساحقة من الأطبّاء على إجراء العملية، فبدأ العَدّ العكسي لمهلة الشهر، والوقت يسابق «الموت المتوَعّد».

أمام الخيارات المرّة، لجأ إيلي مجَدّداً إلى القدّيسة ريتا وصلّى لها صلاة «التسعاوية». وخلال الدعاء أمام صورتها في منزله، طلبَ منها إعطاءَه إشارةً، دلالةً على أنّها تسمعه.

ولدى خلوده للنوم، رأى القديسة ريتا تتكلّم مع ثلاثة من الأطبّاء أمامَه وتقول لهم حرفياً: «طوّلتو عليه كتير، ما لازم بقى تطوّلو. لازم تاخدو قرار. والقرار علاج وما في عملية».

في اليوم التالي أخبَر الطبيب نسيبَه، فوافقَ على الترَيّث في العملية وأبقاه تحت المراقبة. عقبَ ذلك، وردته تباعاً استشارات من فرنسا والولايات المتحدة الأميركية بناءً على ملفّه الطبّي تشدّد على وجوب إجراء العملية فوراً، مصَنّفةً ما يعانيه بأنّه «صانع الأرامل» Faiseur des veuves أو «الموت المفاجئ». فأعاد النظر في قراره وقرّر الخضوع للعملية بعدما سَلّم نفسَه للقديسة ريتا.

بعد وصوله إلى المستشفى لتحديد موعد العملية في حضور زوجته، كان الطبيب الجرّاح منشغلاً في غرفة العمليات. وعند إتمام الأوراق مع الطبيب المساعد هَمَّ بالمغادرة فوجَد نفسَه عاجزاً عن التقدّم إلى الأمام، بل فقط نحو الوراء… فتراجَع وجلس.

شعرَ بعَجزِه عن مغادرة المستشفى قبل رؤية الطبيب الجرّاح المقرّر أن يجريَ له العملية. فلاقاه على باب غرفة العمليات ولسببٍ يَجهله الاثنان، قرّر تعديلَ موعد الجراحة من 12 إلى 14 أيلول أي يوم عيد الصليب.

وفي الموعد المحَدّد عاد إلى المستشفى حيث قابلَ الطبيب الجرّاح وعرضَ أمامه صوَراً فوتوغرافية عن طريقة زرعِ الشرايين وطمأنَه…
في لحظةِ الوداع وخروجه مع زوجته، استدار بسرعةٍ وقال للطبيب: «لديّ طلب أخير، هل يمكنك إعادة قراءة تقرير syntigraphie لشرايين القلب؟ فأجابه: «لماذا أقرأه مجدّداً بعدما قرأته وتبيّن لي أنّك تعاني نَشافاً في شرايين القلب وتَلزمك جراحة؟».

إلّا أنّ الطبيب مجدّداً ولسبب يجهله أيضاً أعاد قراءتَه… تعجّبَ ونظر إلى إيلي مستفهِماً: «قل لي، كيف ألهمَك الله لتطلب منّي إعادة قراءة التقرير؟!». فأخبرَه باختصار قصّته مع القديسة ريتا.

إلّا أنّ الطبيب اعتبَر «أنّ تصرّف إيلي غير اعتيادي ولم يصدر عنه، بل لا بدّ أن يكون هناك قوّة خارجية قد حرّكته وجعلته يتصرّف على هذا النحو. ربّما تكون العناية الإلهية والقديسة ريتا. فطلب منه الطبيب إعادة الفحص، وبعد خضوعه للفحص المطلوب، عاد حاملاً النتائج، فاطّلعَ الطبيب عليها ورفضَ إخضاعَه للعملية.

المسبحة العجائبية

أمّا المحطة الخامسة في مسلسل قصّته مع القديسة ريتا، فبدأت في شهر أيار 2004. فخِلال وجودِه في المستشفى خلال العام 2001 قدّمَت إليه نسيبته الآنسة عليا داغر محفظةً للقديسة ريتا مع بَيت مسبحة مقرونة بأيقونة للقدّيسة وتحتوي بعض الصلوات باللغة الإيطالية. فأبقاها منذ ذلك الوقت في جيب قميصِه لجهة القلب، بعدما نزَع من المحفظة الصلوات لجهلِه اللغة الإيطالية واستبدَلها بصوَر القديسَين رفقا وشربل والحرديني.

صباح 31 أيار وخلال وضعِه المحفظة في جيب قميصه، لاحظ إيلي أنّ المسبحة مقطوعة، فأعادها كما هي إلى جَيبه على أساس أن يصلحَها لاحقاً لكنّه نسيَ.

في صباح 3 حزيران 2004، وبينما كان يهمّ بوضع المحفظة كعادته في جيب قميصِه، شعر أنّها مضخّمة فتذكّر، وشَعرَ بذنبٍ كبير لنسيانِه إصلاحَها، خصوصاً أنّها تخصّ القديسة صاحبة الفضل الكبير عليه. عندها فتحَ المحفظة فوجَد أنّ القديسة ريتا حاكَت المسبحة بطريقة عجائبية وبخيطان من لون المحفظة الأخضر!

وهنا شعرَ بأنّه في لحظة استثنائية وفي لقاء خاص وجهاً لوجه مع القدّيسة ريتا، وأنّ فرَحاً كبيراً لا حَدّ له يَغمره، وأنّ قلبَه يخفق حبّاً وإيماناً، فتعَهّد نشرَ اسمِها أينما يكون.

آمنَ إيلي داغر أنّ الذي حصلَ معه ظاهرةٌ سماوية وإشارةٌ خاصّة فهمَ معناها، وكان مستعدّاً لتحَمّل المسؤولية. فقرّر متابعة تطوّرها بعدما طلب منه الخوري وليد نقولا خادم رعية مار تقلا البوشرية المكلّف من السلطات الكنسية الاهتمامَ بالظواهر العجائبية التي تحصل في المنطقة، أن يراقبَ المسبحة وهل هي موَقّتة زمنياً؟ وهل يمكن أن تتطوّر إلى رسالة؟ وكم سيصمد الخيط؟». يقول داغر: أنا واثقٌ أنّها تعرف ماذا تفعل، ولا أطلب منها شيئاً. فقط أشكر وأصَلّي.

قد يكون شفاءً نفسياً أو جسدياً لا فارق، فالمسبحة في جيب الدكتور داغر منذ عشر سنوات وخيطُها ينبض شعيرات عجائبية ولم ينضَب حتى الساعة، وصليبُها ينضح بالحياة، تماماً كقلبِه الذي لم يتوقّف عن الخفقان، عكس ما قال له الأطبّاء.

يقرّ داغر بأنّه لم يعُد يريد من الحياة شيئاً، وينتظر الموت بفرح ولا يخافه، وأنّ أجملَ لحظات حياته هي عندما يقصده المؤمنون المتلهّفون، وهم كُثر، للتبَرُّكِ من المسبحة العجائبية ورؤيتِها، عسى أن تمنَّ عليهم ريتا عند مشاهدتها بخيط سرّي مقدّس يخرج من الصليب أو من حبّاتها عند الصلاة ولمسِها. ويكشف أنّه واثقٌ بأنّ مراحل حياته كلّها وأزمته القلبية وغيرها من محطات حرجة مرَّ بها لم تكن صدفةً بل كانت بتدبير الله، ومساراً لتصلَ المسبحة إلى حياته فيوصِل بدوره إشاراتها السماوية إلى المؤمنين ويُتمّم الرسالة.

شهادات حول أعاجيب المسبحة

وثّقَ الدكتور داغر في كتيّب شهادةَ حياة وشهادات مئات عن تحوُّلِ المسبحة وقدرتها العجائبية. ومنذ عشر سنوات وحتى اليوم ويوماً بعد يوم يتغيّر شكل المسبحة أمام بعض الأشخاص وتنبت خيطان قطنية بألوان مختلفة أمام المومنين الذين يقصدونها طالبين المستحيل بكلّ إيمان لتظهِر هي خيطاً يخرج من حبّاتها أو من صليب مسبحتِها، فيسارع المؤمنون إلى التقاطه. يأكله قسمٌ منهم ويحتفظ به آخرون، فيما بعضُهم كتبَ شهادته، وبعضهم شهدَ عَلنيةً.

شهادة أمَيّة خليفه

فيما كنّا في العمل، في مكتبة كلّية الحقوق، دخلَ أستاذ من أساتذة الكلّية وهو د. إيلي داغر وفي يده مسبحة يدٍ صغيرة من بيت واحد، موضوعة ضمن كتيّب القديسة ريتا عليها السلام.

وفيما هو واقفٌ، يَروي لنا قصّة القديسة، وبينما كانت يده على الكتيّب والمسبحة، والصليب في النصف، وبإشارةٍ مددتُ يدي لأتبارك منها وإذ بصليب المسبحة يصعَد صعوداً خفيفاً ويتعانق مع المسبحة على نصف الكتيب. لقد رأته عيناي وأصبحتُ بين الحلم والحقيقة، ثمّ استوى الصليب على جنب المسبحة الصغيرة يساراً.

القداسة تنتظر الجميع

للمشَكّكين في قداسة القديسين وقدرتهم وأفعالهم وإشاراتهم السماوية، بمن فيهم القديسة ريتا، يقول داغر: «حسب نواياكم ترزَقون… القادرون على الاتصال مباشرةً مع يسوع يكونون قد حصَلوا على نعمة دائمة ومباركة، إلّا أنّ يسوع لو لم يكن يريد وسيطاً بينه وبين البشر، لما كان اختارَ رُسلاً له. كان اكتفى بمجيئه وموتِه وبقيامته».

ويَختم بالقول: «في الواقع، لم يعُد يهمّني شيء في الحياة، أصبحَت القديسة ريتا كلّ حياتي.. وأسأل الله أن يعينَني لأن أعيشَ مسيحيتي في كلّ المواقع التي أشغَلها، ولأن أكونَ شهادةً حيّة للمسيح».

قد يعجبك ايضا