موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

ولدت ولم تعلم ماذا ينتظرها: قصّة ريتا من الكورة إلى جيبل فالنبعة!

فيفيان عقيقي – النهار

يحلّ عيد الأمّ هذا العام وحال ريتا نهرا ما زالت نفسها منذ عقود. تحتفل ريتا (45 عاماً) بعيدها مع الديون المتراكمة والمرض والإعاقة والفقر والجوع، ومع ذكرى زوج غاب منذ أربع سنين، ومع خمسة أولاد في ربيع عمرهم لكن اليأس يتآكلهم بانتظار بارقة أمل تلوح لهم في الأفق.

تزوّجت ريتا نهرا من العسكري في الجيش اللبناني إيلي شلهوب في منتصف ثمانينات القرن الماضي، ظنّت يومئذ أن الحياة الجديدة التي اختارتها ستعوّض عليها ما حرمت منه. خرجت من المكان الذي قضت فيه طفولتها، من مدرسة الفرير في جبيل التي أتت إليها مع عائلتها المهجّرة من الكورة نتيجة الاضطهاد الذي تعرّض له أهالي المنطقة إبان الحرب اللبنانيّة، وتوجّهت إلى كفرشيما حيث عاشت مع زوجها “نعمة الله عليها” كما تصفه، لتعود إلى المدرسة، مهجّرة من جديد، بعد سقوط قذائف هاون على بيتها من الحزب الاشتراكي.

تركها إيلي باكراً
انتهت الحرب اللبنانيّة في بداية التسعينات، فتأمّلت ريتا بالحياة مجدّداً، فاستأجرت مع زوجها بيتاً في النبعة، تمهيداً لتأسيس عائلة طالما حلما بها وإنجاب الأطفال. وُلدت نهاد في أواخر 1990 ثمّ جيزال بعدها بسنة، ولحقهما جورج إلى الحياة في 1993 وجيسيكا في 1994، ثم أخيراً ولد ريمون في 1997.

سنوات الحرب الطويلة والمعارك التي خاضها إيلي في الجيش اللبناني كان لها وقع كبير على سنين حياته اللاحقة، فهو أصيب في معركة سوق الغرب التي خاضها الجيش اللبناني ضد الجيش السوري وميليشيا الحزب الاشتراكي في رأسه، تعرّض للقنص فقط لأنه عسكري لبناني وأسر على يد القوات اللبنانيّة في أواخر الثمانينات، فبات يأخذ أدوية للأعصاب وفُتح له ملف في “دير الصليب”. تقول ريتا في حديث لـ”النهار”: “لقد تأثرت نفسيّته كثيراً من مشاهد القتل التي رآها، ومن تجربة الأسر التي تعرّض لها، ومن مشاهد رفاقه الذين قتلوا أمامه. بات مريضاً بالأعصاب ويأخذ أدوية كثيرة، فأخرج من الخدمة قبل إتمامه المدّة القانونيّة التي تتيح له أخذ تعويضٍ (وهي 17 عاماً من الخدمة الفعليّة). ثمّ أصيب بسرطان في الدماغ وتوفي بعد معاناة وألم طويلين قبل أربع سنوات”.

المرض والعوز يتفاقمان
تركها إيلي باكراً وحيدة مع خمسة أطفال فعاشت بعوز وفقر. أبت ريتا الاستسلام فقاومت لتقدّم لفلذات كبدها حياة كريمة لا يعوزون فيها أحد، متوكلة على القدرة الإلهيّة، لكن القدر عاكسها، إذ تضيف: “ابني جورج يعاني من إعاقة دائمة نتيجة نقص دماغي، لديه بطاقة معوّق من وزارة الشؤون الاجتماعيّة، وكان يحصل على 205 آلاف ليرة لبنانيّة شهرياً تساعدني لأطعمه، لكننا لم نحصل على أي مبلغ منذ ستة أشهر. ابنتي الكبرى نهاد تعمل براتب 600 ألف ليرة لبنانيّة لدى مزيّن شعر. ابنتاي الأخريان تنتظران العثور على عمل. ابني ريمون ترك المدرسة وكان يبحث عن عمل بانتظار بلوغه سنّ الثامنة عشرة لينضمّ إلى الجيش، ولكنّه تعرّض للضرب من أولاد الحرام فكسروا وجهه وها هو يلازم البيت. لم أستطع إكمال علمهم، لقد تركوا كلّهم المدرسة باكراً. عملت في تنظيف البيوت لسنين إلى أن كسر الديسك ظهري، لم أعد قادرة على العمل”.

تعيش ريتا وأولادها في بيت صغير مؤلّف من غرفتين، كانوا ينامون على الأرض قبل أن ترأف لحالهم إحدى الجمعيات الخيريّة وتقدّم لهم فرشاً. ديونها في دكان الحيّ تتراكم وإيجار البيت لم تتمكّن من دفعه منذ شهرين، وتضيف: “نحن فقراء ومستورون. كان زوجي صالحاً كان يدور طوال النهار بحثاً عن لقمة العيش. تياب ما عندي وما بدي، المهمّ ولادي ما يعوزوا شي. لا أكذب حين أقول إننا لا نأكل. أتمنى أن ينظر أحدٌ إلى حالنا”.

بأيّ حالٍ عدت يا عيد
ريتا التي لم تعش يوماً جميلاً تنتظر عيد الأمّ بحرقة، تودّ لو تتمكّن مرّة من أن تقدّم هديّة لوالدتها، وتتابع: “لا أشعر بعيد الأمّ، لكنني أفرح عندما أرى أولادي يضحكون، أرتاح حينما أشعر بفرحهم بقطعة ثياب جديدة يحصلون عليها مرّة سنوياً، لا أريد شيئاً لنفسي، أنا قنوعة، أطلب من الله أن يعطينا خبزنا كفاف يومنا، وأن يحمي أولادي، وأن نعيش من دون ديون. أغنية ستّ الحبايب تكفيني، عندما أسمعها أبكي، أتذكّر والدتي التي لم تتركني يوماً وتعبت كثيراً من أجلي، ربّتني وربّت أولادي، أتمنى لو أستطيع أن أقدّم لها هدية مرّة واحدة في هذه الحياة التي مللتها وقرفت منها”.

قد يعجبك ايضا