موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

قانون السير الجديد.. غرامات زاجرة لكبح الموت المجاني

سارة مطر – المستقبل

يبلغ معدّل الوفيات في لبنان جرّاء حوادث السير نحو 3 أشخاص كلّ يوم، ما يعادل نحو ألف قتيل سنوياً، ما يعني أنّ العدد يقارب ما تحصده الحروب الأهلية. كما أن حوادث السير هي السبب الأول لوفاة الشباب والشابات بين عمر 15 و29. ولعلّ عجلة الانطلاق لتطبيق قانون السير الجديد في 22 الجاري، بعد نصف قرن من قانون قديم عام 1967، وبعد عامين من التأخير، وجّه الأنظار أكثر نحو بشاعة المآسي و»المجازر» المرورية التي تشهدها الطرق، وآخرها الحادث المروّع الذي أودى بحياة الممثل الشاب عصام بريدي.

حداد يتكرّر يومياً، ما يدقّ ناقوس الخطر بضرورة تطبيق قانون يخفّف من إزهاق أرواح الآلاف، غير أن القانون الجديد لاقى تأييدا لكونه «إنجازاً إيجابياً مهماً، وقانوناً عصرياً يواكب أفضل القوانين في العالم، إذ أن لا رادع يردع المواطن إلا إذا توجّع بالغرامة المرتفعة الزاجرة.

قباني: ماذا ينقصنا لنكون نظاميين؟

«ماذا ينقص الشعب اللبناني كي يكون نظامياً؟ فهو شعب منفتح وذكي، فلماذا إذاً يلتزم القانون ويحترمه عندما يسافر إلى دبي أو باريس، ولا يحترم القانون في بلده؟»، يتساءل رئيس لجنة الأشغال والنقل النيابية النائب محمد قباني، الذي اعتبر في حديث لـ»المستقبل»، أن»القانون بمجمله إنجاز إيجابي مهم، لأنه ينقل موضوع السير في لبنان من منتصف القرن العشرين إلى القرن الواحد والعشرين، من حيث التوجه والثقافة الجديدة التي يحرص عليها ومن حيث مواكبته أفضل القوانين في العالم. فهو قانون حديث وعصري بكل معنى الكلمة ونتفاءل خيراً به».

وعن الغرامات المرتفعة، يقول: «لماذا يعتبر اللبناني أنّه من الطبيعي أن يخالف القانون؟ وإذا كانت الخشية من ارتفاع الغرامات، فهذا عمل إيجابي يدفع الناس إلى الالتزام بالقانون والنظام. ونأمل أن نتمكّن من تطبيق القانون بشكل ملائم، ولكن هذا لن يحصل بشكل سريع، إنّما بالتدرّج وبحسب قدرات الإدارات».

ويستذكر قباني أنه «في الستينات من القرن الماضي كان هناك غرامات على المشاة قيمتها ليرة وخمسة قروش عندما يتجاوزون الشارع خارج الخطوط المحدّدة لهم. وكان المواطن يدفعها، فهل تراجع نمط التفكير الحضاري لدى اللبناني عمّا كان عليه منذ نصف قرن؟».

وإذ يشدّد على «أهمية التزام العناصر الأمنية بالقانون والضغط من أجل تخفيف الفساد بأعلى نسبة ممكنة»، يؤكد أن «صيانة الطرقات وتعبيدها أمر واجب وضروري، لكن لا يمكن للسائقين التذرّع بالحفريات ومخالفة القانون، فالحفرة يجب أن تكون سبباً لهم لتخفيف سرعتهم».

مسلّم: دورنا تخفيف المشكلات والمآسي

مع مرور الوقت، «ارتفعت حوادث السير نتيجة المخالفات الكبيرة والقوانين غير الرادعة»، وفق ما يقول رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي المقدم جوزيف مسلم، «حيث كشفت منظمة الصحة العالمية أن 22 قتيلاً من أصل مئة ألف في لبنان يموتون سنوياً نتيجة حوادث السير، ومعظمهم من الشباب، بينما تتراوح هذه النسبة بين 3 إلى 4 قتلى في أوروبا، ما يعني أننا نتخطّاهم بنحو 18 إلى 19 قتيلاً. لذا، فإن القانون الجديد يساهم في وضع خارطة طريق ورسم سياسات واستراتيجيات، لأن حوادث السير هي السبب الأول لوفاة الشباب والشابات بين عمر 15 و29، ولا سيما في دول العالم الثالث والنامي، فلنحافظ على شبابنا وأهلنا، ولنوفّر المآسي».

ويؤكد أن «تطبيق القانون بصورة تدريجية وتصاعدية سيحقّق النتائج، وقد تدرّبت عناصرنا على موضوع السلامة المرورية بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، وسنواصل التدريب، علماً أننا نعاني من نقص في عديد قوى الأمن الداخلي، لكن حبّنا لعملنا ولوطننا يتطلّب منّا العمل فوق طاقتنا لتخفيف المشكلات والمآسي، ونحن بانتظار تطويع أربعة آلاف عنصر بين دركي متمرّن ورقيب، وهذا سيساعد».

«من الممكن أن تحصل شوائب، ولكن سيتمّ تقييمها وإعادة إصلاحها، ومن الممكن أن تقع بعض المشكلات، ولكن علينا أن نبدأ من مكان وأن ننجح في التأسيس، فلنبدأ بالقانون ونرى المشكلات ونحاول سدّ الثغرات، إذ علينا أن نكون واقعيين فنحن في عالم في طور النمو، لكن علينا أن نؤمن بوطننا وبالعمل الذي نقوم به»، وفق مسلّم. ويضيف: «هناك حياة ناس «بالدقّ»، نتحدّث عن وفاة ومجازر تحصل على طرقاتنا، كل يوم قتلى وجرحى ومعوّقون، فالأمر طارئ وغير قابل للتأجيل والانتظار».

ويشير إلى أن «قوى الأمن مسؤولة فقط عن أمرين: تنظيم حركة المرور، وتطبيق القانون الذي علينا التعمّق به ودرسه ومعرفة روحيّته. كما أننا نقوم بالتوعية كواجب وطني تجاه أهلنا، ولكن لا علاقة لنا بتعبيد الطرقات أو بالإشارات الضوئية وعلامات السير، إنّما هذه مسؤولية وزارة الأشغال والبلديات».

ويبقى الأهم تشكيل المجلس الوطني واللجنة الوطنية للسلامة المرورية، كما ينصّ القانون الجديد. أمّا بالنسبة للغرامات المرتفعة التي أثارت بلبلة وسط المواطنين، يوضح مسلّم أن «لغطاً حصل تجاهها، إذ يبلغ أقصاها 350 ألف ليرة لبنانية ضمن مخالفات الفئة الرابعة والتي لا تتضمّن الجنح»، داعياً إلى «الاطّلاع على المادة 377 وليس المادّة 374، فغرامة التحدّث عبر الهاتف وعبر «الواتس أب» تبلغ 200 ألف ليرة مثلاً وليس 300 إلى 450 ألف ليرة كما تداول بها المواطنون. كما أن خطورة القانون القديم أنه كان يعطي مهلة عشرة أيام لدفع المخالفة وإلا تتحوّل إلى المحكمة، بينما القانون الجديد يمهل نحو أسبوعين إلى شهر، لكن طبعاً ترتفع الغرامة».

ويختم بالقول: «سنواصل ضبط جميع المخالفات بما فيها سائقو اللوحات العمومية المزوّرة أو الخصوصية التي تمارس مهنة «التاكسي» للحفاظ على لقمة عيش الجميع. كما نواصل حملتنا التي باشرناها منذ نحو عام، وتكثّفت هذه الفترة بحواجز توعية ومنشورات وملصقات في الشوارع وبتثقيف عبر مختلف وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن الممكن أن نرسل رسائل نصية عبر الهواتف بغرض التوعية أيضاً حول القانون».

«اليازا»: الثغرة الأكبر في عائدات المخالفات

«لم يكن قانون العام 1967 يلبّي حاجات السلامة المرورية، أما القانون الجديد فهو قانون جيّد، لكنه لا يلبّي طموحاتنا، خصوصاً أن مادة المخالفات تعتبر الثغرة الأكبر»، كما يرى مؤسس ورئيس جمعية «اليازا» زياد عقل، الذي يلفت إلى أنه «من المفترض صدور قرار سياسي من الحكومة كي يُنفّذ، وهناك حاجة لإنشاء «وحدة المرور» في قوى الأمن الداخلي، كي نحسّن أداء القوى الأمنية، وكذلك تأليف مجلس أعلى للمرور لمعالجة قضايا سلامة السير، يهدف إلى إلغاء تقاذف الصلاحيات الموجود بين إدارات الدولة والوزارات المعنية بسلامة السير. هناك تقاذف مزمن، فوزارة الأشغال العامة والنقل تلقي اللوم على وزارة الداخلية والبلديات وغيرها يلقي اللوم على مجلس الإنماء والإعمار أو على البلديات».

أما بالنسبة إلى عائدات مخالفات هذا القانون، فيعتبر أنها «يجب أن تذهب لصالح موازنة الدولة كما كل الدول، ولكن ما حصل هو اجتهاد وهذا أكبر خلل، وقد سعينا لرفض ذلك لكننا جوبهنا بالرفض أثناء تحضير القانون. ونحن نرى أن طريقة توزيع المخالفات لا تحاكي دول العالم المتطور، إنما هي طريقة غير مقبولة وستولّد اعتراضات لدى الناس. القاضي لا يمكنه أن يحكم لصندوقه مباشرة، هذا ضدّ مبادئ النزاهة والحكم الصالح، ما يعني تشريع خاطئ وقد اعترضنا عليه، ولكن كانت مواجهة لنا من قبل العديد».

ويضيف عقل: «في مكان ما، نلحظ أن البعض لا يريد للقانون أن ينجح ولا للبنان أن يصبح بلداً حضارياً. فالأهمية هي في التشدّد في المخالفات، ولا تبرير للمخالفات، فاللبناني ليس مضطراً إلى أن يخالف ويمشي عكس السير. وهنا نعوّل على الدور الكبير لقوى الأمن الداخلي للقيام بواجباتهم في «وحدة المرور». لكن للأسف وحتى اليوم هناك تقصير، فالقانون صدر في تشرين الأول/أكتوبر عام 2012 وكان من المفترض أن يُطبّق عام 2013 لكنه تأخّر. والحكومة السابقة برئاسة نجيب ميقاتي ارتكبت خطأً دستورياً عندما أوقفت العمل بقانون السير الجديد، فجرى تقديم طعن أمام مجلس شورى الدولة الذي أبطل قرار الحكومة، فربحنا الطعن، واليوم الحكومة الحالية مجبرة على أن تطبّق القانون، بعد عامين من التأخير».

وأمل أن تطبّق القوى الأمنية القانون، خصوصاً أن إشكالية علاقة المواطن بالدولة كبيرة، فهل المواطن عنده ثقة بالدولة أم لا؟» ولا ننسى أن وضع البلد غير سليم، حيث تُستنفد قدرات قوى الأمن الداخلي في المجال الأمني، غير أن أهمّ مادّة في القانون هي تأسيس «وحدة المرور»، بحيث يصبح جهاز المرور هو المسؤول عن سلامة السير التي لا تزال لغاية اليوم من دون أي مسؤول عنها، علماً أن معدّل الوفيات جراء حوادث السير في لبنان يبلغ نحو ألف قتيل سنوياً مع احتساب عدد الجرحى الذين يموتون لاحقاً».

Roads For Life:

بداية جيّدة على طرقات سيئة

من جهتها، رئيسة جمعية Roads For Life زينة قاسم، ترى أن «لا رادع يردع المواطن إلا إذا توجّع بالغرامة، فالغرامة لم تكن بحياتها انتقاماً من المواطن إنّما حماية له، وهي تشكّل ضمانة لعدم القيام بمخالفة أو حتى تكرارها. أما عن الـ55 في المئة للقضاة، فنعتقد أنه موضوع ملتبس في القانون ويحتاج إلى إعادة نظر وتعديل لأسباب عدّة منها أن إعطاء 55 في المئة لصندوق القضاة، يدفعهم إلى أن يحكموا، رغماً عنهم، بالغرامة الأعلى فوراً وبطريقة غير مباشرة، وهذا يناقض السلطة الاستنسابية التي تعطيهم إمكانية الحكم بالإنصاف والعدل. لذا، نقول بكل بساطة أعيدوا السلطة الاستنسابية للقضاة وحرية القاضي بالاستنساب من دون إغراءات مالية قد تدفعه إلى إعطاء أحكام تكون في مصلحة صندوق وليس في مصلحة الناس».

وتقول: «المواطنون معهم حق بـ»النق» على وضعية الطرقات، فهم يدفعون المعاينة الميكانيكية وغيرها، لكن لا يمكن التذرّع بعدم وجود طرقات آمنة ومحدّدة ومضاءة لنبرّر مخالفاتنا، خصوصاً أن غالب المخالفات تكون بسبب السرعة والتحدّث بالهاتف»، مشيرة إلى أن «قانون السير الجديد بداية جيّدة على طرقات سيئة وفي دولة هرمة غير جاهزة حتى الآن لتطبيق القانون، غير أن يدنا مشبوكة مع رجال الأمن الذين يتحمّلون تكسير العصا كي يطبّقوا القوانين. ولا بدّ من خطوة على طريق الألف ميل».

وإذ تبقى العِبرة في تطبيق القانون، تأسف قاسم كون «الدولة حتى اليوم غير جاهزة، فالطوابع المالية لغرامات السير لم تصدر بعد من قبل وزارة المالية، كما ننتظر صدور قرار بتشكيل المجلس الأعلى للسلامة المرورية لوضع سياسة السلامة المرورية والإشراف على كل الأجهزة المعنية، الأمنية والقضائية».

و»في محاولة لجمع أرقام الجمعية والصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني والمستشفيات، فإنّ معدّل الوفيات من جرّاء حوادث السير يبلغ نحو 3 أشخاص كلّ يوم، ما يعادل ألف قتيل في السنة»، كما تكشف قاسم، «وهذا ما دفع بجمعيتنا إلى القول إنّ عدد القتلى سنوياً في لبنان من جرّاء حوادث الصدم والسير هي نسب أقرب إلى قتلى أي حرب أهلية في أي دولة».

مواطنون.. الأمل بتطبيق شامل

جمال، سائق التاكسي، الذي يقاسي النضال اليومي على الطرقات لكسب لقمة عيشه في ظل السيارات الخصوصية والسائقين السوريين، فيرحّب بالقانون والنظام «بشرط أن يُطبّق على كل لبنان، وأول ذي بدء في الضاحية الجنوبية والأوزاعي والجناح وتل الزعتر وغيرها. الدولة على رأسنا ونحن مع القانون إذا أعطونا حقنا وطبّقوه على كل لبنان».

ويردف بالقول: «نحن مع معاقبة المخالفين، فالحق حق، ولكن مش ناس بزيت وناس بزعتر. منذ أربعين عاماً والحال عوجاء، بدهم يجلسوها نحن معهم لكن بالحق وفي كل لبنان».

بدوره، يؤكّد سائق باص «أهمية صيانة الطرقات والإنارة والحفريات، أكثرية الطرقات غير صالحة وباصاتنا تتكسّر وتترتّب علينا مدفوعات كبيرة ولا ننال حقنا. القانون جيد لكن العبرة في التنفيذ، متمنّياً أن «يُطبّق القانون بدءاً من الصغير إلى الكبير إلى «المقمّط» بالسرير«.

عبير، الشابة التي تحيّي القانون الجديد، تقول: «أخيراً أصبح لدينا قانون سيرٍ نعوّل عليه للمرحلة المقبلة، حيث بتنا أكثر اطمئناناً لسلامتنا في الطرقات، فلا نذهب ضحية مخالفات بعض الطائشين والمتسرّعين، ولكن يبقى الأهمّ تطبيق القانون بشكل سليم».

وفي وقت يعتبر مجلس النواب مسؤولاً عن البند المتعلّق بالعائدات المخصّصة للقضاة وبتعديل ما يشكل خللاً لقانون عصري، يعوّل على القوى الأمنية في إرساء ثقافة جديدة من الالتزام والنظام وعلى المواطن في احترام القانون وحرصه على سلامة الآخرين، في بلد اعتاد انتهاج خط «عكس السير».

قد يعجبك ايضا