موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

«حزب الله» يعلن عن استراتيجية جديدة ونقلة نوعية

حسين عاصي – الديار

لم يكن خطاب الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله في مهرجان التضامن مع اليمن عاديًا، ولا كان مخططًا له أن يكون عابرًا، فالخطاب، الذي أثار ردود الفعل المستهجنة حتى قبل أن يحين وقته، حمل بين سطوره الكثير من الدلالات والخفايا التي لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، لأنّ تداعياتها لن تكون بسيطة بأيّ شكلٍ من الأشكال.

قد تكون عبارة «كفى» التي وجّهها السيد نصرالله في سياق الخطاب للمملكة العربية السعودية هي «بيت القصيد»، بل تكاد تختصر كلّ ما ورد في الخطاب من الألف إلى الياء. «آن الآوان أن يقف المسلمون والعرب والعالم الإسلامي ليقولوا للمملكة العربية السعودية كفى»، قال السيد نصرالله، مطلقاً بهذه العبارة استراتيجية جديدة في التعامل مع النظام السعودي، استراتيجية لا تهادن ولا تساوم، استراتيجية تسمّي الأشياء بمسمّياتها، استراتيجية تضع حدًا لما سبقها من مراعاةٍ لخواطر هذا ومشاعر ذاك.

وأكثر من كونها استراتيجية جديدة، هي نقلة نوعية في الخطاب، تقول مصادر سياسية مطلعة. برأيها، فإنّ العدوان السعودي الأميركي فرض مثل هذه النقلة، إذ وجد «حزب الله» نفسه مُحرَجًا أمام بيئته وجمهوره، إذ إنّ السكوت على المجازر التي تُرتكَب بعنوان «العروبة» المزوَّر لا ينسجم أبدًا مع أدبيّات الحزب وثوابته ومبادئه، فضلاً عن إيمانه بأنّ «الساكت عن الحق هو شيطان أخرس». ولهذه الأسباب، ترى المصادر أنّ «حزب الله» اعتمد منذ بدء الحرب على اليمن سياسة «التصعيد التدريجي» التي وصلت إلى أوجها مع الخطاب الأخير للأمين العام للحزب الذي دفن الاستراتيجية القديمة وأطلق العنان لاستراتيجيةٍ جديدةٍ بكلّ ما للكلمة من معنى.

بيد أنّ المفارقة التي تتوقف عندها المصادر في خطاب السيد نصرالله أنه صوّب البوصلة عبر توجيهها نحو من وصفته بأنّه مؤسّس الإرهاب ومموّله الحقيقي، بشكلٍ لم يعد يقبل اللبس أو التأويل لا الآن ولا في المستقبل، كما أنّه هيّأ الرأي العام المحلي والاقليمي والدولي واعتبار السعودية بؤرة الشر ومركز دعم الارهاب العالمي، وهو ما تجلّى بوضوح عندما قال أنّ تهديد الحرمين الشريفين لا يأتي من داعش التي سمعنا بها قبل أشهر فحسب، بل من داخل السعودية، وتحديدًا من داخل الفكر الوهابي والثقافة الوهابية، مشيراً إلى أنّ الوهابيين قاموا بعد سيطرة الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود على بلاد الحجاز بتهديم كل الآثار الدينية والتاريخية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خطابٌ لم يكن مألوفًا بالمطلق في السابق.

وفي قراءتها للخطاب ومضمونه، تستغرب المصادر السياسية ما سعى البعض لترويجه عن أنّ السيد نصرالله «حرّض» بشكلٍ أو بآخر على ضرب السعودية وتهديدها، إذ إنّه على العكس من ذلك أشاد باستراتيجية اليمنيين في التعاطي مع العدوان السعودي، وهم الذين لم يستخدموا بعد أيًا من أوراقهم ولم يفعلوا شيئًا عمليًا، وذهب أبعد من ذلك عبر دعوتهم وحثّهم على الصمود والصبر، اللهم إلا إذا كان البعض اعتبر حديثه عن أنّ التهديد للأمن القومي السعودي الذي تذرّعوا به لشنّ العدوان على اليمن والذي لم يكن موجودًا قبل العدوان أصبح اليوم موجودًا وقطعيًا، في حين أنّ أيّ قارئ يمكن أن يستنتج أنّ هذا الكلام يأتي في سياق التحليل لتداعيات الحرب، ومن يقرأ تاريخ الحروب القريبة والبعيدة في المنطقة يصل إلى هذه الخلاصة من دون الكثير من التفكير والتدقيق.

أبعد من كلّ ذلك، تبقى الرسالة الأساسية التي توخّى السيد نصرالله إيصالها لكلّ من يعنيهم الأمر من خلال خطابه، وفقاً للمصادر نفسها، هي أنّ مرحلة استجداء الحوار مع السعودية باتت من الماضي، وأنّ عليها بالتالي أن تتحمّل تبعات المرحلة المقبلة. ولعلّ هذه الرسالة يمكن استخلاصها من مجمل مضامين الخطاب، ولا سيما عند قوله أنّ إيران كانت تمدّ طيلة السنوات الماضية يد الأخوّة والحوار للمملكة التي كانت في المقابل ترفض وتكابر، وبالتالي فإنّ الأمور اختلفت اليوم بشكلٍ كامل، قد تنطبق معها معادلة «ما قبل العدوان السعودي على اليمن لن يكون أبدًا كما بعده».

قد يقول قائل أنّ «حزب الله» يورّط لبنان بمواقف عالية النبرة يزايد فيها حتى على الجمهورية الإسلامية في إيران التي تروّج للحلّ السياسي، والتي لم تصدر عنها مواقف متشدّدة باستثناء ربما الموقف الشهير للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي خامنئي الذي قال فيه أنّ «أنف السعودية سيمرغ في التراب». ولكنّ المصادر تستبعد أن يكون لكلام السيد نصرالله تداعيات سلبية في الداخل اللبناني، لافتة إلى أنّ «النصيحة» التي وجّهها للأفرقاء اللبنانيين كافية للتأكيد على رغبته بـ «تحييد» لبنان عن هذا الصراع، مع الاعتراف بالاختلاف في مقاربة الملف اليمني، كما غيره من الملفات في السابق، بل إنّ الرسالة التي وجّهها السيد نصرالله لـ «الحلفاء» الذين قال أنه يتفّهم أيّ موقفٍ يصدر عنهم ولا يُلزمهم بشيء، يؤكد أنّ المطلوب إبقاء لبنان بعيدًا عن بؤرة التوتر، إلا إذا كان للبعض رأيٌ آخر. وتتساءل المصادر عن سبب تحميل «حزب الله» مسؤولية الإساءة لعلاقات لبنان مع دولة عربية شقيقة لا لشيء إلا لأنه عبّر عن رأيٍ صريحٍ وواضح بوقائع ومعطياتٍ على الأرض، في حين أنّ آخرين يحكمون على دول أخرى وفق «النوايا»، ولا يتعرّض لهم أحد لا بالضغط ولا بالتهويل.

باختصار، في زمن المعايير المنقلبة لا المزدوجة فحسب، أعلنها «حزب الله» مرحلة جديدة، مرحلة تضع حدًا لكلّ خطاب المهادنة والمراعاة السابق، مرحلة جديدة لن يتوانى فيها عن قول «كفى» صارخة للسعودية ولغيرها. ومع أنّه حرص على تحييد الداخل اللبناني عن مآلات هذه الـ «كفى»، فإنّ السيناريوهات تبقى مفتوحة على مصراعيها، وغدًا لناظره قريب.

قد يعجبك ايضا