موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

صفّ على اليمين

صرخت أم زياد بلهجة قاسية من شرفة الطبقة الثانية لزوجها الذي كان قد نزل تواً إلى الشارع بأن يربط حزام الأمان. بدت كأنها توجّه نصيحتها لطفل لا لرجل. ثم قالت له بصوت سمعه نصف سكان المنطقة على الأقل: “لأن جلدنا ما بيتحمّل”، إشارة إلى عدم قدرة العائلة المتواضعة على تحمّل قيمة المخالفة المرتفعة.

رفع أبو زياد وجهه المحمرّ خجلاً، ثم أشار بما معناه أن الرسالة وصلته، وأنه ملتزم بمضمونها. لم يقل كلمة واحدة.

***

ما إن وصل سائق الأجرة إلى المنطقة المقصودة حتى بدأ بالتململ. ضرب على مقود السيارة ضربة قوية ثم سأل الراكب: “يا أخي ألم يبدأ تطبيق قانون السير الجديد بعد؟”. أجاب الراكب فوراً: “بلى يا عم”. استجمع سائق الأجرة أعصابه ومدّ يده نحو واجهة السيارة الأمامية وسأل مجدداً: “إذاً لماذا ما زالت هذه الخوازيق الحديدية في الشارع؟ لماذا لم يزيلوها بعد؟ لماذا لا يطبق القانون إلا علينا؟ لماذا لا تحاسب السلطة المسؤولين الكبار؟ أين..”.

وقبل أن يكمل السائق أسئلته التي انهمرت دفعة واحدة، طلب منه الراكب أن يُنزله. أراد المسكين أن ينجو بنفسه من الأسئلة التي ليست لها إجابات.

المشي صحّي ولا يوجع الرأس.

***

نفخ الشرطي صدره بعدما مسح نظارتيه الشمسيّتين التي يبدو فيهما مثل الممثل توم كروز في فيلم “توب غان”. ربما شعر أن السلطة عادت إليه الآن. وهذه سلطة غير مرتبطة بالقانون الذي غاب تنفيذه طويلاً ثم أفاقت الدولة على تطبيقه. هذه سلطة مرتبطة بدفتر المخالفات الذي يحمله بيده. الناس حذرة من الدفتر لا من الشرطي. سلطة الجيوب قوية والشرطي لا يكفّ عن الابتسام. لقد شعر الآن أنه استعاد هالةً ضاعت منه منذ أمد. ينتبه لشاب يقود السيارة وهو يتحدث على الهاتف الخلوي. لقد وقع على صيد ثمين.

يصرخ به: “صفّ (اركن) على اليمين”.

***

استغربت نهى قانون السير الجديد. القانون الجديد يفرض وضع كرسي خاص لكلّ طفل لا يزيد عمره على خمس سنوات. لنهى سبعة أطفال ثلاثة منهم عمرهم أقل من خمس سنوات، ما يفرض عليها شراء ثلاثة كراسي للسيارة. لكن المشكلة ليست في ثمن الكراسي. في هذه الحالة لن يبقى مكان للأخوة الآخرين في السيارة. “ما الحل؟”، سألت نفسها. هل يكون ذلك بخروج العائلة بالسيارة على دفعتين؟

شعرت بالانزعاج من هذه المعضلة، وقرّرت أن تستشير زوجها. عندما وصل هذا الأخير عرضت الموضوع عليه. فضحك من قلبه وقال لها: “الموضوع سهل. نبيع السيارة ونشتري باصاُ”. ثم غرق في موجة ضحك جديدة.

الأكيد أن الأيام القادمة ستحمل الكثير من الضحك للبنانيين. الكثير الكثير منه.

يوسف حاج علي – العربي الجديد

قد يعجبك ايضا