موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

عن منزل حوّلته المخابرات السورية جحيماً

اسكندر خشاشو – النهار

في الذكرى العاشرة للانسحاب السوري من لبنان، وما تركه من انفراج على اللبنانيين في شكل عام ولاسيما على أهالي البقاع الغربي، نظراً الى قرب المنطقة الى الحدود مع سوريا، وقد خصتها القيادة السورية بثاني اكبر المراكز العسكرية التابعة لمخابرات نظام دمشق في لبنان بعد مركز عنجر، حيث مقر رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان، وما حمله هذا المركز من لوعات لسكان المنطقة. وشكل نقطة رعب على مدى 20 عاماً.

اتخذت المخابرات السورية من منزل جوزف الصباغ في جب جنين مقراً لحكم منطقة البقاع الغربي، فمنه أديرت الانتخابات النيابية والبلدية ومنه عُيّن الموظفون في الدولة وتألفت الجمعيات والنوادي حتى في المؤسسات والبنوك ومنه كانت تصدر الاوامر لتأديب العصاة على الطاعة، وليس فقط تأديب من عصى على طاعة قيادة المخابرات انما ازلامها وعناصرها ايضاً، ومنه تم ابتكار أبشع اساليب التعذيب الوحشية وأكثرها فاعلية، التي اقتبس جزءًا منها اليوم “داعش” واخواته لتكون رادعاً كفيلا بدفع العصاة إلى عدم تكرار فعلتهم ولا بأي طريقة، فمن زار جهنم مرة واحدة لن يفكر في زيارتها مرة اخرى.
المنزل المرعب
شكّل هذا المنزل حالة من الرعب الحقيقي للبقاعيين، حتى بقي كثيرون لمدة طويلة يتفادون المرور على الطريق المؤدية اليه. جيران المنزل اضحوا يكرهون منازلهم نتيجة “تشبيح” عناصر المخابرات، اضافة الى الصراخ الذي كان يصل إلى مسامعهم خلال جلسات التعذيب في داخله ما كان يحرمهم نومهم ليس فقط لعلوها انما ايضا لتعاطفهم مع الموجودين في الداخل، “فكم من الصعب ان تسمع احداً يستغيث وانت نائم في سريرك ولا يسعك فعل شيء له”.

هرب جوزف صباغ بعد دخول الجيش السوري الى البقاع سنة 1985 إثر تفجير منزل شقيقه ذيب الصباغ من هذا الجيش، لكنه لم يكن يعلم انه سيتم اتخاذ المنزل موقعاً لقيادة منطقة البقاع ويحرم من مجرد التفكير في العودة”.

ويروي الصباغ لـ”النهار” انه بعد فترة استدعي الى منزله ودخله مكبلاً وحُقق معه تارة بحجة انه منتمٍ الى حزب البعث العراقي وتارة أخرى الى “القوات اللبنانية”، فأودع بعدها في سجن المنزل الذي شيده بعرق جبينه، وهذا السجن ليس من الغرف التي بناها في بيته بل تم بناء اقبية الى جانبه وجرى تحويلها سجناً ومكاناَ للتعذيب وتشكيلة من الزنزانات”.

ويقول: “خرجت من بعدها وتجنبت العودة الى القرية لأن منزلي اهلي يقع على مقربة من مقر القيادة وحرمت حتى من مجرد النظر اليه، فكم من الصعب ان ترى تعبك وشقاء عمرك امامك ولا تستطيع النظر اليه”.

حلم لم اصدقه
ويضيف: ” كان مثل الحلم ذلك اليوم من ايار عام 2005 حين تلقيت اتصالاً من الجيش اللبناني يدعونني فيه الى استلام منزلي الذي هجرت منه قسراً قبل 20 عاماً وكنت قد نزعت من رأسي فكرة استعادة هذا المنزل”.

جوزف قام اليوم بترميم المنزل بالكامل “فهم لم يتركوا فيه شيئاً على سابقه”، موضحاً انه دخل الغرف التي أضيفت الى المنزل والتي كانت سجناً لكنه لم يجد فيها شيئاً الا اوساخاً فتركها كما هي وقام بإقفالها لعله يقفل بها حقبة يتمنى كل لبناني الا تعود يوماً.

ويختم حديثه قائلاً “الناس تقول “تنذكر وما تنعاد، اما انا لا احب مجرد ذكرها فلا اريدها ان تنذكر او تنعاد”.

الحديث عن المنزل المشؤوم يقودنا الى نزيه الذي جرت “استضافته” في هذا المنزل 3 مرات، ويروي لـ”النهار” زيارته الاخيرة التي استدعي فيها من دون ذكر السبب، فتوجه الى المركز بطيبة خاطر، فوصل وكان حينها شهر رمضان، فلم يحقق معه او يسأل انما تم نقله فوراً الى السجن الذي هو كناية عن غرفة بعرض متر ونصف المتر وبطول نحو 7 امتار ليس فيها اي منفذ للهواء او نافذة ، وفيها اكثر من 15 شاباً آثار التعذيب بادية عليهم، لا يستطيعون الكلام لأن الحراس يمنعون الكلام بين المساجين”.

دولاب وكهرباء
يتحاشى نزيه اكمال وصف ما رآه “فالغرفة من دون مرحاض وعليك تخيل الباقي”. ويضيف: “عند الساعة 12 ليلاً استُدعيت للتحقيق، لأن المحقق كان صائماً ولا يروق له التحقيق الا بعد الافطار وتناول الحلويات وعصير وقمر الدين، وهناك تبدأ مسيرة العذاب”.

ويقول: ” تبدأ الرحلة بالدولاب وهو اطار سيارة توضع بداخله، ويتم ضربك بطريقة وحشية، وعليك الاجابة عن الاسئلة تحت الضرب، وانكار اي تهمة تجرك نحو “الكهرباء”، وهي عبارة عن شريط سلكي كهرباء يتم ربطهما في إبهم الرجل واليد ووصلهما بالتيار الكهربائي لينتفض جسمك وتشعر بألم لم تشعر به من قبل”.

ويكمل:”يتكرر السيناريو عند الليلة الثانية وايضاً بعد منتصف الليل مع اساليب جديدة منها تجريدك من ملابسك وربطك في الهواء رأساً على عقب ومع كل كلمة جلدة، وايضاً تنتهي جلسة التحقيق لا يسلم من جسمك الا داخل الفم”.

ويتابع نزيه وصفه لفنون التعذيب التي مارستها المخابرات السورية قائلاً “تتوالى جلسات التحقيق مع الاساليب الجديدة كضربك بشرائط حديد معقدة ووضعك على كرسي ليس فيه سوى الحديد وجلدك بالكرباج، فتصل الى مرحلة يستحيل فيها البقاء على الارض فتبقى جاثماً على ركبتيك لأن اي مكان في جسمك لا يحتمل ان يلمس بشيء”.

ويختم نزيه ان “الحال الوحيدة لاخراجه من المركز كانت الواسطة او دفع النقود والا الترحيل على عنجر حيث الخط الاخير قبل سجن المزة الشهير وما في داخل سجن المزة”.

بعد 10 سنين ربما تغيرت معالم هذا المنزل، وعاد الى اصحابه الذين لم يتركوا في داخله اي شاهد يذكرهم بمرحلة سوداء مرت ولا يريدون استذكارها، لكن المؤكد انه لا يزال يحمل بين جدرانه عذابات وجع وصيحات ظلم لمدة عشرين عاماً ربما خفتت قليلاً حينما رأت سجانها الظالم يغادر هذا البيت ولبنان الى غير رجعة.

قد يعجبك ايضا