موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

احتفلوا بعيدها الأوّل ووقعت المصيبة على عائلة لارا

فيفيان عقيقي – النهار

ما إن بلغت لارا عامها الأوّل حتى تبدّلت حياتها، لم يعد روتينها طبيعياً، بل تحوّل روتيناً مزمناً ملّت منه وهي تطفئ شمعات سنين طفولتها إلى أن وصلت إلى سنّ المراهقة. خمسة عشر عاماً قضتها الفتاة تتنقل بين بتلون وبيروت حفاظاً على حياتها.

الصدمة الأولى
تعاني لارا من التلاسيميا، مرض كان وقعه صادماً على العائلة، لقد ألقى بثقله على صغيرة ذلك البيت. تقول والدتها لـ”النهار”: “عندما بلغت لارا عامها الأوّل، مرضت وأصيبت بإسهال حادّ، فأدخلناها إلى المستشفى للمعالجة، بعد فترة وجيزة أصيبت بنفخة في بطنها واصفرّ لونها، فأخذناها عند الطبيب، طلب إجراء بعض الفحوص المخبريّة، وتبيّن أنها مصابة بالتلاسيميا الصغرى، وهي غير خطيرة. عندما جلبناها إلى مركز الرعاية الدائمة بعدما زادت النفخة في بطنها، خضعنا كلّنا للفحوص، وكانت النتيجة إصابة لارا بالتلاسيميا الكبرى، وحملنا أنا وزوجي وأولادي السّمة”.

كانت الصدمة كبيرة، لم تتوقع الوالدة هذه النتيجة، الصغيرة تعاني فقر دمٍ حاداً، وأخوتها يحملون السمة. واقع مرّ فرض عليها، فهي لم تسمع سابقاً بالتلاسيميا ولم تكن تعلم ما هو. تتابع: “حسّيت بنتي عم تروح، انصدمت، جلست أنا ووالدها لا نعلم ماذا نفعل. أطلعنا الأطباء على كلّ ما نحن بحاجة إلى معرفته وانطلقنا في رحلة العلاج. اعتدنا هذا الروتين، ورضخنا للأمر الواقع. هذا قدرها ولا يمكننا تغييره. حتى هي تقبّلت مرضها مع الوقت”.

رحلة لا محطّة أخيرة لها!
قبل العام الأوّل كانت لارا تنمو في صورة طبيعيّة، كانت والدتها ترعاها وتوليها عناية كبيرة، باعتبارها الصغرى بين إخوتها. بعد اكتشاف المرض، أصبحت الفتاة الصغيرة شغلها الشاغل، زادت رعايتها لها واهتمامها بها. رحلة علاج لارا طويلة، رحلة لا محطّة أخيرة لها، مزمنة ستركب قطارها طالما هي حيّة ترزق، “مرّ 14 عاماً على بدء العلاج، كلّ أسبوعين أو ثلاثة أسابيع نتوجّه من بتلون إلى بيروت لإخضاع لارا للعلاج. يعلّقون لها الدم، وأحياناً نعاني ونجد صعوبة في تأمين الوحدات اللازمة، كما أنها ملزمة بتناول دواء يومياً لمدى الحياة، لقد ملّت منه ولكن لا حلّ آخر للحفاظ على حياتها”.

لا تخاف الوالدة إلّا من نظرة المجتمع إلى ابنتها، وممّا يخبئه المستقبل لها، لا تريد من المجتمع أن يشفق عليها. تتابع: “الناس لا تعلم ما هو مرض التلاسيميا، ولا تدرك كيفيّة التعاطي مع المريض. في المدرسة كانت معلّمتها تشفق عليها، وتعاملها كأنها مختلفة عن زملائها، علماً ان ابنتي طبيعيّة، وما تعانيه أهون بكثير مما يعانيه غيرها. اليوم باتت تتقبّل مرضها، وأنا أحاول دائماً مساعدتها لتعتمد على نفسها، فنحن لن ندوم لها، وعليها أن تتحمّل مسؤوليّة نفسها. أتمنى رؤيتها تتخرّج من الجامعة، وأن تكون ناجحة في عملها، وأن أراها ترتدي الفستان الأبيض وتحمل أولادها”.

ما هو التلاسيميا؟
يصادف الثامن من أيار اليوم العالمي للتلاسيميا، وهو مرض وراثي في الدمّ، ينتقل عبر الجينات وينقله الوالدان معاً، ينتج منه تكسّر كريات الدم الحمراء، ويصيب المريض بفقر دم حاد. تظهر عوارضه على الطفل المصاب به منذ أشهره الأولى، فيصبح أصفر اللون ونموه ضعيفاً، بحسب ما تؤكّد مسؤولة قسم التلاسيميا في مركز الرعاية الدائمة، الاختصاصيّة في أمراض الدمّ والأطفال، الدكتورة سوزان كوسا شربل، لـ”النهار”، وتتابع: “إذا تأخرنا في تشخيص المرض، يصاب المريض بتضخّم في الأعضاء وقد يعاني تشوّهات في الوجه وتضخم في البطن. يجب إخضاع الطفل الذي تظهر عليه هذه العوارض لفحوص الدمّ اللازمة، وخصوصاً الترحيل الكهربائي الذي يؤكّد إصابته به بنسبة 95%، على أن يقطع الشكّ باليقين عبر اللجوء إلى الفحص الجيني”.

علاجه
وتتابع: “كلّما أسرعنا في العلاج، كلّما خفّت المشكلات التي يسبّبها المرض. ويكمن العلاج بنقل الدم إلى المريض، وتحديداً الكريات الحمراء. تستغرق عمليّة نقل الدمّ 3 أو 4 ساعات، وتتكرّر كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع لمدى الحياة في حال التلاسيميا الكبرى. لكن نقل الدمّ يصيب المريض بمضاعفات أخرى، من ضمنها زيادة الحديد في الجسم بعد عمليّة نقل الدم العاشرة، لذلك عليه تناول دواء خاصّ في شكل يوميّ ولمدى الحياة لإزالة الحديد من جسمه وكي لا يتكدّس في القلب والكبد والغدد. علماً أن السبب الأوّل لوفاة مريض التلاسيميا هي أمراض القلب. هذا الدواء يتناوله المريض يومياً عبر الفم أو بواسطة مضخّة تعطيه إياه تحت الجلد لمدّة 12 ساعة يومياً. يحتاج مريض التلاسيميا إلى 1000 دولار شهرياً لإتمام علاجه في حال كان يأخذ الدواء عبر المضخّة، وإلى ثلاثة أضعاف هذه المبلغ في حال كان يتناول الدواء عبر الفمّ. العلاج ضروري ليتمكّن المريض من ممارسة حياته بصورة طبيعيّة، والزواج والإنجاب”.

وهناك علاج جذري يشفي مريض التلاسيميا بصورة نهائيّة، وهو زرع النخاع العظمي، وتقول الدكتورة شربل: “لا يمكن كلّ مريض بالتلاسيميا الخضوع له، هناك مجموعة من الشروط التي يجب توافرها من ضمنها أن يكون في سنّ صغيرة، وأن لا يعاني أي مضاعفات نتيجة المرض، وأن تتمّ العمليّة في مراكز متخصّصة، وأن يكون هناك متبرّع من أهله مطابق بنسبة 100%. نسبة نجاح العمليّة تصل إلى 80%، ولكنها تؤدي إلى مشكلات كثيرة ومنها الوفاة إذا لم يتمّ الالتزام بالشروط المذكورة. لقد خضع نحو 40 مريضاً من المركز لهذه العمليّة، وخسرنا مريضة واحدة فقط”.

الوقاية
وعن سبل الوقاية منه، تقول الدكتورة شربل: “ولأنه مرض وراثي جيني، يجب خضوع أي ثنائي لفحص الترحيل الكهربائي ما قبل الزواج، ومعرفة ما إذا كانا يحملان المرض. الفحص غير وارد ضمن الفحوض الإجباريّة الواجب الخضوع لها قبل الزواج بحسب القانون الصادر منذ نحو عشرين سنة، لذلك نسعى مع وزارة الصحّة لجعله إلزامياً. كما يمكن الوقاية منه عبر خضوع الحامل لفحص الجنين وأخذ القرار بإجهاض الطفل أو إبقائه”.

يشار إلى أن الهدف من العلاج أن يعيش مريض التلاسيميا حياة طبيعيّة، وقبل تطوّر العلم كان يعيش 50 سنة كحدّ أقصى، أمّا اليوم، فإن مركز الرعاية الدائمة يغطي كل الحالات في لبنان. سابقاً لم تكن فكرة الزواج واردة لديه، أما اليوم فهو قادر على ذلك والإنجاب. هناك 3% من اللبنانيين يحملون السمة من دون أن يكونوا مصابين بالمرض، وهناك نحو 700 حالة مصابة بالتلاسيميا الكبرى في لبنان.

قد يعجبك ايضا