موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

بعد أن أخفى إبرهيم سرّه أكثر من 25 عاماً… حصل ما كان يخشاه

فيفيان عقيقي – النهار

لم يكن يكفيه رهاب المجتمع ضدّه، حتى نبتت الجماعات الإرهابيّة، ونمت سريعاً في شمال سوريا وتوسّعت نحو العراق ولبنان. لم تكن تكفيه تلك النظرات التي تستحقر وجوده، وتلك العبارات الجارحة التي يُرشق بها، حتى بات خطر رميه من ارتفاعات شاهقة يراوده ليل نهار، والخوف من اعتقاله وتعذيبه وانتهاك حرمة جسده يلاحقه كيفما تحرّك.

واقع يؤكّد أن “داعش” ذاك التنظيم الإرهابي، الذي يقطع الرؤوس بوحشيّة، ويعدم الأطفال بدم بارد، ويرجم النساء حتى الموت، ولا يعترف بحقّ الآخر المختلف عنه بالوجود، لا يتألف فقط من هؤلاء ذوي العقول المتجمّدة، بل أيضاً من أولئك الذين يسخرون من المختلفين عنهم، من المثليين جنسياً، فيلاحقونهم في الطرقات، يتحرّشون بهم، يمارسون في حقهم كلّ أنواع التمييز، ويشمل أولئك الذين يتغافلون عن سنّ قانون يحمي حرياتهم الشخصيّة، أو يعاقب من ينتهك حرمة أجسادهم في غرف التحقيق. إنه رهاب المثليّة الذي ذاق ابرهيم مرّه على مدى أربعة وثلاثين عاماً من حياته.

هكذا اكتشفت ميولي إلى الرجال!
“يعيش المثليّ جنسياً في عالمنا العربي صراعاً داخلياً قبل الصراع الخارجي مع المجتمع”، هكذا يستهل ابرهيم حديثه لـ”النهار”: “لقد طرحت على نفسي الكثير من الأسئلة. لماذا أنا مختلف عن الباقين؟ لماذا أنا غريب، ورفاقي وأقاربي عاديون؟ لماذا خلقني الله مثلياً؟ أسئلة طرحتها عندما بدأت اكتشاف نفسي، واكتشاف الناس حولي، اصطدمت بنظرة المجتمع والتقاليد وعدم تقبّلهم لي. بدأت معاناتي منذ الطفولة واستمرّت. مع تقدّمي في السن زاد خوفي من الأقارب والأصدقاء والأقران”.

ولد ابرهيم عام 1981، منذ 34 عاماً وهو يحاول فهم الأمور التي تدور حوله، يحاول فهم نفسه، فهو لم ينجذب مرّة لفتاة، لطالما كان يميل إلى صفات معيّنة في الشاب مثل تكوين جسده “ظننت بداية أنها مجرّد مشاعر. في فترة البلوغ ترجمت هذه المشاعر بتصرّفات جنسيّة مارستها، عندئذ تأكّدت أنني مثليّ الجنس. لقد أحببت مرّتين. بقيت مع حبيبي الأوّل سبع سنوات ومع الثاني أربع سنوات”.

الأهل والمجتمع … بعدما كشف المستور
لم تكن طفولة ومراهقة ابرهيم عادية، أخفى سرّه أكثر من 25 عاماً، رغم الشكوك التي طاولته، خطأ صغير كشف المستور “ولدت في منطقة عشائريّة في منطقة الشرقيّة التي تضمّ الرقة والحسكة ودير الزور. هناك يحترم الإنسان نتيجة انتمائه إلى عائلته. احترم المجتمع اسم العائلة التي أحملها والعشيرة التي أنتمي إليها، لكنّهم لم يحترموني لنفسي. لم يتقبّلوني، ولكنّهم لم يتعرّضوا لي خوفاً من عشيرتي”.

“علمت عائلي بميولي بسبب خطأ ارتكبه أحد رفاقي ولا علاقة لي فيه. لقد كان على علاقة بشخص التقط له فيديوات فاضحة وبدأ يبتزّه. اشتكا عليه فما كان منه إلّا أن دسّ بأسماء من عائلات مرموقة، وكنت من ضمنهم، للتعتيم على الموضوع. تعرّضت وأهلي لعمليّة ابتزاز. لم يتقبلوا الموضوع، وما زالوا يرفضونه، ولكن لم يكن لديهم خيار بديل غير حمايتي للحفاظ على سمعتهم، وتلافي ما يظنونه فضيحة. دفعوا 20 ألف دولار أميركي لتسوية المشكلة التي وصلت إلى المخافر”.

تحت رحمة “داعش”
عندما كانت المنطقة الشرقيّة تحت سيطرة النظام السوري، لم يكن ابرهيم يخاف على حياته، كان يواجه نظرات المجتمع فقط. بعد بدء الحرب السوريّة وتراجع النظام أمام تقدّم الجماعات الإرهابيّة، نما في نفسه خوف دائم على حياته “سابقاً كانت عائلتي وعشيرتي تحميني، لم أستشعر يوماً خطراً على حياتي. لقد تسلّل الخوف إلى داخلي، بعدما سيطرت الجماعات الإرهابيّة على الرقّة والحسكة ودير الزور، وخطفت على يد “جبهة النصرة”. خطفني أحد المنتمين إلى ذلك التنظيم وابتزّ عائلتي التي دفعت 11 ألف دولار أميركي مقابل الإفراج عني. بقيت مخطوفاً عشرة أيّام. عشت فيها أسوأ أنواع التعذيب والتحقير. أجبرت كما غيري على الاعتراف والكشف عن أسماء مثليين غيري، ليتمكّنوا من استغلالهم”.

“قتلت “جبهة النصرة” ثلاثة من رفاقي المثليين متحجّجين بالشرع. أعدموا رمياً بالرصاص أمام أعيننا. الشخص الذي خطفني مزدوج الجنس. كان على علاقة مع أحد رفاقي، وعندما سيطرت “النصرة” على المنطقة انضمّ للتنظيم وحاول ابتزازه. رفض الانصياع له، فقلته بحجّة أنه مثلي. وحشيّة “داعش” تخطّت “النصرة” بأشواط. عذبوا كثيرين من المثليين وخطفوهم مقابل الحصول على فدية. كانوا يأخذونهم إلى أعلى منطقة في الرقّة ويرمونهم. لقد تحوّلنا إلى صيد ثمين للجماعات التكفيريّة والإرهابيّة”.

بعدما خطفته “النصرة” حاول تنظيم “داعش” تكرار السيناريو نفسه، فتمكّن ابرهيم من الفرار والنزوح إلى مناطق النظام “هناك الوضع أقل خطورة، هناك يحاسبني النظام وقد يعتقلني ولكنّهم لن يقتلوني. هربت من “داعش” إلى الشام، ومنها إلى بيروت”.

الصدمات تتوالى… آخرها في بيروت
تفاقمت معاناة ابرهيم مع وصوله إلى لبنان. كان يظنّ أن المجتمع اللبناني أكثر انفتاحاً وحرية، لكنه اكتشف أن رهاب المثليّة مسيطر في كلّ المجتمعات العربيّة “لقد صدمت، معاناتي خلال مراهقتي، ولاحقاً خلال الحرب السوريّة وسيطرة “داعش”، استكملت في لبنان. ما نراه في الإعلام عن المجتمع اللبناني لا يحاكي الواقع. لقد تفاجأت. هناك مناطق تشكّل خطراً على المثلي. هنا تعرّضت للكثير”.

“ببيروت تبهدلت. تعرّضت للضرب وكسر أنفي. في أيار الماضي، كنت أمشي على الطريق. شكّ أحدهم بميولي الجنسيّة من مشيتي. تحرّش بي وطلب مني ممارسة الجنس معه، رفضت ذلك، فكوني مثلياً لا يعني أن جسدي مباحٌ. فتعرّضت لاعتداء وضربتني مجموعة من الشباب وكسروا أنفي. ضيّقوا عليّ أنا ورفاقي في المنطقة فانتقلنا إلى حيّ آخر في المدينة، لكن العقلية هي نفسها، فانتقلنا الآن إلى منطقة أخرى”.

مثليّ ولا ينقصني شيء من الرجولة!
“أنا شاب، ميولي الجنسيّة مصوّبة نحن الذكور. أنجذب لهم، ولا تلفتني النساء جنسياً. أنا شاب مثليّ الجنس لكن لا ينقصني شيء من الرجولة” هكذا يعرّف ابرهيم عن نفسه، ويتابع: “كنت أظن أن الفتيات يتقبّلن المثليين أكثر من الرجال، ولكن في الحقيقة، الأمر خاضع لعقليّة الإنسان، هناك عدد كبير من الشبان الذين يتقبّلوننا، وهناك شابات كثيرات يهاجمننا”.

نادراً ما يتواصل ابرهيم مع عائلته، يحادثهم مرّة شهرياً عبر “الواتس آب” أو “فايسبوك” ليطمئن على أخبارهم وعلى الوضع في سوريا. لا يعاشر أحداً، ولم يجرؤ على الدخول في علاقة، خصوصاً أنها تحتاج إلى أدنى عوامل الاستقرار لتبنى على أسس صحيّة وصحيحة. فهو يعيش موقتاً في لبنان، لا يعمل، ويتجنّب الخروج والمشي في الشارع، وتنقلّاته محدودة، ويخطّط للسفر إلى دولة أوروبيّة قريباً، عساه يشعر بأمان واستقرار مفقودَين، ويعيش مرحلة في حياته لا يشعر فيها باختلافه، بل يجد فيها أجوبة عن أسئلته الكثيرة، أبرزها: لماذا خلقتني يا الله؟ فيكون الجواب: “أنت مثليّ ولكنك إنسان”.

قد يعجبك ايضا