موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

المعارك الى قلب عرسال والمخاطر كبيرة جداً!!

ناجي البستاني – خاص النشرة

منذ سيطرة مُقاتلي “حزب الله” على جرود منطقة القلمون السوريّة وفرار مئات الإرهابيّين إلى جرود عرسال، والأسئلة المطروحة ليل نهار في الأوساط السياسيّة والشعبيّة، تتمحور حول ما إذا كانت شرارة المُواجهات ستطال بلدة عرسال نفسها وليس جرودها فحسب، وما إذا كانت التداعيات المُرتقبة لهذا الأمر على مُجمل الوضع الداخلي في لبنان قابلة للإحتواء.

بداية، لا شكّ أنّ الموضوع إستحوذ على الكثير من الأخذ والردّ على المستوى السياسي، حيث أطلِقت الكثير من التصاريح التي تتحدّث عن معركة مفصولة في جرود عرسال بعيداً عن البلدة، لكنّ هذا الأمر ليس دقيقاً. صحيح أنّ المعارك الحالية تجري بعيداً نسبياً عن بلدة عرسال، لكنّ الأمور لن تستمرّ كذلك في حال تواصل هجمات “حزب الله” لتضييق الخناق على الإرهابيين المُتشدّدين، من المُنتمين إلى تنظيم “داعش” أو “جبهة النصرة” وغيرهما من التنظيمات الإرهابيّة. فالمساحات الواسعة لجرود عرسال سمحت للإرهابيّين بالإنسحاب إلى تلال وهضاب أخرى، بمُجرّد تعرّض المواقع التي يتمركزون فيها لهجوم مُركّز. وهذه القاعدة التي تهدف إلى تخفيف الخسائر البشريّة قدر المُستطاع، طُبّقت في جرود القلمون في الأسابيع القليلة الماضية، وهي تُطبّق حالياً في جرود عرسال. لكنّ الأمور لا يُمكن أن تبقى كذلك إلى ما لا نهاية، في حال إستمرار الهجمات الناجحة-ولو المُكلفة بشرياً، التي يُنفّذها نحو 1500 مُقاتل من نُخبة وحدات “حزب الله” البرّية، مدعومين بمجموعات صغيرة من وحدة الدروع في “الحزب”، وكذلك بمئات آخرين في مواقع خلفية للمؤازرة والدعم، مُكلّفين خصوصاً بتوفير الرصد الميداني والجوّي لتحرّكات ولمخابئ الإرهابيّين، وبتوفير الإسناد الصاروخي والمدفعي عند كل هجوم برّي. وبالتالي، عاجلاً أم آجلاً سنجد بضع آلاف من الإرهابيّين محشورين في بقعة جغرافية ضيّقة محاصرة من مُختلف الجوانب، إن عبر مُقاتلي “حزب الله” أو عبر نقاط تمركز الجيش اللبناني في محيط بلدة عرسال. وعندها لن يعود بإمكان الإرهابيّين تطبيق سياسة الإنسحاب والتراجع التي يعتمدونها اليوم، حيث سيكونون مُجبرين للدفاع عن مواقعهم حتى الموت، أو محاولة الإنسحاب إلى داخل بلدة عرسال، خاصة مع تراجع خيار تأمين ممرّ آمن لانسحابهم نحو العمق السوري.

إشارة إلى أنّه بعيداً عن سياسة الأخذ والردّ الحكوميّة بالنسبة إلى موضوع عرسال، والتي إنتهت بتكليف الجيش اللبناني تقييم الوضع في عرسال وإتخاذ القرارات المناسبة لمُحاربة الإرهابيّين ولتأمين عرسال، فإنّ الأمور تتحرّك ميدانياً بشكل سريع من دون إنتظار أي غطاء سياسي أو أيّ توافق داخلي، وذلك بحكم الأمر الواقع الذي تفرضه هجمات “حزب الله” المفتوحة. وعلى خط مواز، وعلى الرغم من عدم تنسيق المعارك الدائرة-أقلّه ظاهرياً، مع الجيش اللبناني، فإنّ هذا الأخير يقوم تلقائياً بقصف أيّ تحرّكات للجماعات الإرهابيّة في الجرود. وبالتالي، بمُجرّد إقتراب الإرهابيّين من مواقعه أكثر في المرحلة المُقبلة، في حال رفع “حزب الله” مُستوى الضغط الميداني عليهم، سيكون الجيش مُضطرّاً للدخول في المعركة بشكل مُباشر، حماية لمواقعه ولعناصره المحيطة ببلدة عرسال.

وأمام إستمرار الهجمات الميدانيّة لمقاتلي “حزب الله”، والتدخّل المُتوقّع للجيش اللبناني في المعركة بحكم الواقع الميداني الذي سيستجدّ لا محالة، التخوّف موجود من الوجهة التي سيَسلكها الإرهابيّون عند تضييق الخناق أكثر فأكثر عليهم، ومن ردّات فعل اللاجئين السُوريّين في المخيّمات المنتشرة في ضواحي عرسال، وكذلك من بعض أبناء مدينة عرسال الذين يُشكّلون بيئة حاضنة للارهابيين إنطلاقاً من التموضع المُعادي للنظام السوري والمناصر لكل من يُحاربه. والخوف الأكبر يتمثّل في إمكان إقدام الارهابيين على التراجع إلى داخل بلدة عرسال، لأنّ القتال الدفاعي من داخل المباني الإسمنتيّة أفضل بكثير من القتال الدفاعي عبر مواقع وتحصينات مُقامة على تلال وهضاب مكشوفة للطيران وللقصف المدفعي والصاروخي، مع كل ما يُوفّره التواجد داخل عرسال من إمكانات أكبر لوصول الدعم اللوجستي.

وإذا كان “حزب الله”، ومعه قسم كبير من اللبنانيّين يُريد القضاء على الجماعات الارهابيّة في جرود عرسال وحُكماً في جرود القلمون والسلسلة الشرقيّة الحدودية بين لبنان وسوريا، لإبعاد الخطر الإرهابي عن لبنان، ولمساندة النظام السوري في توسيع سيطرته على أراضيه، فإنّ قسماً آخر من اللبنانيّين يعتبر أنّ إرغام الارهابيين على التراجع من جهة الجانب السوري نحو الداخل اللبناني، بدلاً من أن تكون هجمات “الحزب” من الحدود اللبنانيّة نحو العمق السوري، يعني دفعاً مُتعمّداً للإرهابيين نحو عرسال في نهاية المطاف، ويعني توريطاً حتمياً للجيش اللبناني في الفصل الأخير من المعركة الذي هو الأعلى كلفة، كونه فصل الحسم النهائي، ويعني أيضاً إحتمال تعريض الإستقرار السياسي والأمني والمذهبي الهشّ في لبنان لخطر شديد، نتيجة الإنقسام الداخلي السائد، ليس إزاء إرهابيّين بالتأكيد، بل إزاء النظرة للنظام السوري، وإزاء انخراط “حزب الله” في الداخل السوري، وإزاء إستدراجه مُجدّداً لارتدادات الحرب السوريّة إلى الداخل اللبناني.

وفي الختام، كل المُعطيات تدلّ على أنّ “حزب الله” ماض قُدماً في معاركه، من دون إنتظار أيّ غطاء سياسي أو أيّ مشاركة رسميّة في المعركة. وكل التقديرات تُرجّح أنّ معارك جرود عرسال الحالية لا يُمكن أن تصل إلى خواتمها، إلا مع وصول المعارك إلى داخل بلدة عرسال نفسها في نهاية المطاف. وكل التحليلات تقول إنّ الجيش اللبناني قادر على إحتواء الإرتدادات الأمنيّة المُرتقبة في الداخل اللبناني، لكنّ المُشكلة تكمن في الخسائر البشريّة الكبيرة المتوقّعة في صفوف العسكريّين والمدنيّين، والأخطر من ذلك يتمثّل في حتميّة إضافة جرح آخر إلى الجسد اللبناني النازف، ما يُوفّر أرضيّة مثالية لتنامي الحُقد الداخلي المُتبَادل بشكل أكبر ممّا هو عليه حالياً.

قد يعجبك ايضا