موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

أصعب وأخطر حريق في بيروت…تفاصيل المهمة الشاقة لأبطال الدفاع المدني

زينة ناصر – النهار

سُحُب دخان أسود… هذا ما تراه قبل الوصول إلى منطقة “السان تيريز”، حيث لم تخمد بعد نيران الحريق الذي اندلع في مستودعات “قاروط المخازن الكبرى” منذ أكثر من يومين. وهو الحريق الذي وصفه عناصر في الدفاع المدني بأنه أخطر وأصعب حريق حصل في بيروت منذ زمن طويل.

تقترب بسيارتك من أوتوستراد “السان تيريز”، فإذ بعناصر شرطة “اتحاد بلديات الضاحية” يقفون بالقرب من سيارات أغلقت فيها المداخل المؤدية إلى مكان الكارثة. فالمكان أصبح مقصداً لسيارات إطفاء الدفاع المدني وبعض المارّة المعنيّين بالموضوع، دون باقي السيارات والمدنيين، وذلك حفاظاً على سلامتهم لأن الحريق ما زال مستمراً، بحسب الدفاع المدني والجيش الذي يعمل على إبعاد المواطنين عن المكان.

كلّما اقتربت أكثر شعرت بالدخان ورأيته يلتهم المبنى حيث المستودع موجود على مساحة طوابق عدّة “مكدّسة” بالبضاعة، بحسب الدفاع المدني. “هون الصورة ما منيحة بتطلع…شوفي هالميلة”، يقول لنا أحد السكان، مشيراً إلى الجهة الأخرى من الحريق. غيمة سوداء كبيرة، تبدو وكأنّها تزداد حجماً كلّما أخمدت النيران.

لحظة نشوب الحريق بلسان السكّان
“كنّا عم نشوي لحمة عالبلكون وشفنا دخنة سوداء طالعة من البناية يلي فيها المستودع الساعة5:20 بعد الظهر تقريباً. دغري اتّصلنا بالدفاع المدني”، يقول لنا محمد قطايا، أحد القاطنين في المبنى المقابل لمستودعات “قاروط”. يضيف الجار أنه وعائلته لم يستطيعوا البقاء في البيت، لأنهم على بعد أمتار قليلة من الحريق، وكادوا أن يشعروا بالاختناق”.
يكمل أنّه وباقي الجيران اتّصلوا بالدفاع المدني، وكذلك بمالك محال “قاروط” الذي يقطن في المبنى الذي اندلع فيه الحريق. “كان متواجداً مع زوجته في المنزل”، يقول محمد. وسألناه عن مكان إقامة الجيران في هذين اليومين، فكان ردّ قطايا أنه يقطن مع أولاده الآن خارج المبنى “لأنّ الدخنة مش محمولة”.
من بين سكان المباني المجاورة من اتّهم “قاروط” بإدخال كميات كبيرة من المازوت إلى المستودع في اليوم عينه الذي اندلعت فيه النيران، قائلاً: “كيف له أن يضع المازوت بالقرب من كميات كبيرة من النايلون والبلاستيك ومواد أخرى؟…ومنهم من دافع قائلاً: “الزّلمي آخد كلّ الاحتياطات وفي أكياس رمل فوق المازوت لمنع أي ضرر”، وهو ما أكّده شقيق مالك المبنى شارحاً أنّ “البناء لم يتضرّر أو ينهار لأنّ سماكة السقف 60 سنتمتراً وسماكة الجدران 25 سنتمتراً، وقد بنيناه من 20 سنة وفقاً لأعلى المعايير”.

فوجا إطفاء الضاحية وبيروت: الحرارة تفوق الـ500 درجة
بينما كان بعض رجال الإطفاء مستمرين في محاولة النزول إلى الطبقات السفلى حيث درجة الحرارة تفوق الـ500 درجة مئوية، كانت العناصر الأخرى تنتظرهم “لتبريدهم” عند خروجهم من المبنى… جلس أحد العناصر على الأرض يرتجف. يده احترقت على الرغم من أنه يلبسُ قفازات عازلة للحرارة. رشّه أشخاص عدّيدون بالمياه “عم نوصل لمرحلة معيّنة وما بقى فينا نكمّل”، يفيدنا. ويتابع “درجة الحرارة تصل في بعض الأماكن إلى 600 أو 700 درجة مئوية، ولباسنا يعزل الحرارة التي تصل إلى 500 درجة مئوية”.

أكثر من 100 عنصر من الدفاع المدني في فرعَي الضاحية وبيروت، إضافة إلى 6 آليات، تعمل على إطفاء الحريق، بحسب مدير فوج إطفاء الضاحية حسين كريم. ورداً على سؤالنا إذا كان من الممكن لرجال الإطفاء معرفة أسباب الحريق الآن، يقول إن “بعض الأسباب عرفَ بشكل أوّلي، ولكن يجب أن يجري تحقيقٌ ما بعد انتهاء الحريق، لتفادي حصول الأزمة لاحقاً”.

48 ساعة لبدء انتهاء الحريق
يؤكّد كريم: “هناك العديد من المعطيات لمعرفة ما تسبّب بالحريق، منها: ما كانت آخر ماكينة تعمل، ومن آخر موظّف كان موجوداً، وأي ساعة غادر المكان، مدى قرب البضاعة من بعضها وكيفيّة تكديسها(وهو ما يمكن أن يشكّل حرارة عالية)”.

كذلك يشرح لنا أن الحرارة عنصر أساسي في إمكانية الوصول إلى الطوابق السفلى. “يصلون إلى الطبقة الـ”1-” ولا يستطيعون أن يكملوا لأنها تفوق الـ500 في بعض الأماكن”. ويكمل:”عناصر الدفاع المدني يتناوبون. الآن (ويشير إليهم) “يبرّدون” زميلهم الذي صعد من الحريق، هناك 12 عنصراً، يدخل عنصران في كل مرّة. الأول يشكّل جداراً مائياً لحماية زميله من الحرارة العالية، والثاني يدخل ليطفئ النار”.
أما عن انتهاء الحريق، فيقول: “نعمل على تبريد المكان، وهذا ما سيساعدنا في الوصول إلى الطبقات السفلى. عندما ننتهي من عملية التبريد، يكون الحريق في نهايته تقريباً. إذاً، 48 ساعة لبدء انتهاء الحريق”.
ويردف: “هذه مهنتنا، ولكنها تحتاجُ إلى الكثير من الشجاعة والتضحية. رجال الإطفاء يغامرون بحياتهم للقضاء على الحرائق، فهم أبطال”.

صهاريج المياه الخاصة

شكّلت مساهمة أصحاب صهاريج المياه الخاصّة مبادرة مميّزة، خصوصاً أنّ أكثر من 20 صهريجاً حضر لمساعدة الدفاع المدني. يقول لنا أحدهم واقفاً أمام صهريجه الأزرق، مضيفاً: “جئنا لمساعدتهم. لن نطفىء الحريق بصهريج صغير، لكن مساهمتنا جميعاً تحدثُ فرقاً”.

حائط مستودع متجر “ORCA” ملاصق لحائط المستودع المشتعل، ويخبرنا موظّف في المتجر بأنه “خايف تتضرّر البضاعة”.

قاروط: لا نعرف سبب الحريق…
عند حديثنا مع أحد السكّان، حضرت فتاة ترتدي خوذة لونها برتقالي. “فرجيني الصوَر”، قالت. فسألناها من تكون، ورأت الصوَر. “ما شي الصوَر… شوفي كيف كان الحريق بالبداية”. جيزيل قاروط، ابنة مالك محال “قاروط” التجارية، عتبت على الدفاع المدني فوج بيروت “لأنهم لم يحضروا إلا بعد 24 ساعة من الحريق”.
عند سؤالها ماذا تتوقّع أن يكون قد تسبّب بالحريق وإن كان إدخال والدها كميات كبيرة من المازوت في اليوم الذي بدأ فيه الحريق، نَفَت قائلة: “والدي أحضر المازوت في 1 أو 3 حزيران لمولّد الكهرباء الموجود في المستودع. ما يُقال عن إدخال المازوت يوم الحريق عار من الصحّة”.
أما والدها، عطوف قاروط، فكان يتلقّى كلمات “الحمدالله على السلامة” من معارفه. أكّد لنا أنه لا يعرف سبب الحريق. ورداً على سؤالٍ إن كانت المواد البلاستيكية الموجودة تحوي مواداً قابلة للاشتعال، وهي مواد خطرة، أجاب: “أستورد بضاعتي عبر مرفأ بيروت أو من مصادر محليّة بطريقة قانونية. كما أسدّد كلّ واجباتي للدولة”.

“المهم أنه لم يكن هناك أي موظّف في البناء وقيمة البضاعة المادية لا تهم”، قال لنا. شقيقه أفادنا بأنّ قيمة المواد مع البناء تفوق الـ10ملايين دولار، لكنّ عطوف قال إنّ البناء الذي يسكنه مبني وفقاً لأعلى المعايير “لأنني بنيته لي ولعائلتي، فلا يقدّر بثمن بالنسبة إليّ”.
كما استاء لكلام البعض عمّا سيدفعه التأمين، مشيرأ إلى أن البناء مؤمّن لدى شركة “Fidelity”، لكن هذا لا يهمّه طالما أن الجميع بخير، واقتصرت الأضرار على الماديات فقط.
في انتظار التحقيق الذي سيبيّن سبب الحريق، ولتفادي نشوب آخر، لا يمكننا إلا وأن نشير إلى أن الدفاع المدني يضحّي بحياة عناصره، حتى لو كانت هذه مهنته. فصعودنا لبضع ثوان على “الرافعة” معه لأكثر من 6 طبقات من البناء كان شاقاً، حيث شعرنا أن الدخان أصبح في كل جسدنا وكأننا سنختنق. فكيف لأشخاص يقضون كل أيامهم في مهنة متاعب لإنقاذ حياة الناس؟

قد يعجبك ايضا