موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

جرود القاع ورأس بعلبك ثبّتت المعادلة الذهبية

ماهر الخطيب – الديار

على أرض المعركة تختلف المعطيات عن الصالونات السياسية المغلقة، في الأولى الميدان هو «سيد الكلام»، أما في الثانية فالطموحات السياسية هي التي تتحكم بالمواقف، التي تطغى عليها المصالح الفئوية في ظل أوضاع متقلبة على مستوى الداخل والمنطقة.

منذ تشكيل حكومة تمام سلام الحالية والتوافق على بيانها الوزاري، جرى العمل على تسويق نظرية سقوط المعادلة الذهبية، الجيش والشعب والمقاومة، التي أثبتت جدواها في هزيمة العدو الإسرائيلي في عامي 2000 و2006، إلا أن المعارك الدائرة في الجرود الفاصلة بين الحدود اللبنانية – السورية تؤكد مرة جديدة أنها الكفيلة بحماية الوطن من العدو التكفيري، الذي لا يقل خطراً عن الإسرائيلي، لتفتح الباب أمام جملة من التساؤلات حول مستقبل الأوضاع على الساحة اللبنانية.

بالأمس، حاول مقاتلو تنظيم «داعش» الإرهابي التقدم باتجاه جرود بلدتي رأس بعلبك والقاع، معتبرين أنها «الخاصرة الرخوة»، التي يستطيعون منها تحقيق إختراق ما لصفوف حزب الله والجيش اللبناني، بعد الهزائم التي مني بها «أشقاؤهم» في جبهة «النصرة» في جرود بلدة عرسال، لكن المفاجأة كانت بالتجهيزات والتحصينات التي كانت لهم بالمرصاد، الأمر الذي أدى إلى إفشال المخطط «الداعشي» كلياً، ومنعه من تحقيق أي إنجاز يذكر، بحسب ما تؤكد مصادر محلية من المنطقة.

وتوضح هذه المصادر أن هؤلاء كانوا يعتقدون أنهم يستطيعون تكرار العمليات التي قاموا بها في السابق، عندما إستهدفوا عناصر من الجيش اللبناني في المنطقة، لكنها تكشف عن تبدل كلي في الأوضاع منذ ذلك الوقت، حيث عملت المؤسسة العسكرية على تحصين مواقعها بشكل لافت من خلال عمليات إستباقية قامت بها في الفترة السابقة، بالإضافة إلى الإستعدادات التي قام بها حزب الله والحزب السوري القومي الإجتماعي والأهالي، ما ساهم في تحويل هذه الجبهة من «خاصرة رخوة» إلى خط دفاع أول عن القرى والبلدات الحدودية، وتضيف: «الأهم من كل ذلك أن في المنطقة بيئة حاضنة تؤمن حماية ظهر المقاومة والجيش بشكل كامل، ونتيجة مواجهة الأمس أثبتت بما لا يقبل الشك هذا الأمر».

إنطلاقاً من هذه المعطيات، لا تخفي المصادر مخاوفها السابقة من مخططات المجموعات الإرهابية، إلا أنها تعتبر أن ما قام به الحزب والجيش السوري، في جبال القلمون السورية، ساهم إلى حد بعيد في القضاء عليها، وما يحصل في هذه الأيام يمكن القول أنه المواجهات الأخيرة، وتعرب عن تفاؤلها في نهاية الوضع الشاذ في المنطقة بالمستقبل القريب، في ظل الإصرار الواضح على القضاء على كل الإرهابيين لمنع عودة أحلامهم لاحقاً، وتؤكد أن الأوضاع هي على خير ما يرام ولا داعي للخوف من أي تطورات.

من جانبها، تؤكد مصادر سياسية في قوى الثامن من آذار من المنطقة، على حسن سير المعارك في هذه الجبهة، بالرغم من أنها لا تزال تتخوف من أوضاع بلدة عرسال، خصوصاً في ظل تواجد أعداد كبيرة من النازحين السوريين، الذين من الممكن أن يشكلوا بيئة حاضنة لمقاتلي جبهة «النصرة»، لكنها تفضل التشديد على دور الجيش اللبناني في معالجة هذا الأمر، خصوصاً بعد التكليف الواضح له بهذه المهمة الصادر عن مجلس الوزراء، باجماع مختلف القوى السياسية على ضفتي قوى الثامن والرابع عشر من آذار.

وفي حين تشدد هذه المصادر على أن الأهالي والأحزاب الفاعلة في المنطقة ستكون إلى جانب المؤسسة العسكرية متى كانت بحاجة لهم، تسأل عن مسار الأوضاع فيما لو لم تكن المقاومة حاضرة بقوة في المنطقة، لا سيما بعد العمليات التي حصلت في الجانب السوري من الحدود، وتعتبر أنه من الأفضل لو كان الجيش اللبناني ينسق بشكل جيد مع الجيش السوري، لإحكام طوق على المجموعات الإرهابية في الوقت عينه، لكنها تعرب عن أسفها لأن بعض القوى السياسية اللبنانية كانت تضع طموحاتها قبل المصلحة الوطنية خدمة لمصالح داعميها الإقليميين.

في قراءتها لهجوم تنظيم «داعش» في جرود رأس بعلبك والقاع، تشير إلى أن المواجهة التي قام بها عناصر حزب الله والجيش اللبناني أثبتت أن المعادلة الذهبية لا تزال عامل القوة الأساسي لحماية لبنان من جميع المخططات، الإسرائيلية والتكفيرية، وتؤكد أنه لا يجوز التفريق بينهما، خصوصاً أن وقائع الميدان تؤكد أن هؤلاء الإرهابيين يخدمون الأجندة الإسرائيلية أولاً، والدليل هو تدخل الطائرات الإسرائيلية في السابق لإنقاذهم أكثر من مرة.

وتستغرب هذه المصادر الحملات السياسية والإعلامية المستمرة على دور المقاومة في هذه الجبهة، في حين أن الخطر التكفيري لا يوفر أياً من الأفرقاء اللبنانيين، لا بل أن خطره على قوى الرابع عشر من آذار أكبر من قوى الثامن من آذار، وتدعو الجميع إلى التنبه إلى ما يجري بعيداً عن الخلافات السياسية القائمة، وتسأل: «هل يدرك هؤلاء كيف كانت ستكون المواجهة فيما لو كان الإرهابيون لديهم خطوط إمداد كبيرة في الجانب السوري في مثل هذه المعارك؟»، وتضيف: «سيدرك الجميع لاحقاً أهمية دور حزب الله والجيش السوري في حماية القرى والبلدات اللبنانية الحدودية من خلال ما قاموا به في جبال القلمون».

وتشدد هذه المصادر على أن المعادلة الذهبية عادت لتفرض نفسها بقوة على أرض الواقع، في ظل الإشادات التي تحظى بها من أعدائها قبل حلفائها، وتدعو إلى متابعة المواقف الإسرائيلية والغربية التي تعطيها حقها في التقييم أكثر من بعض المواقف المحلية، وتضيف: «تم تأمين الإستقرار الداخلي عسكرياً بنسبة كبيرة جداً، والباقي يتطلب تفهم الأفرقاء السياسيين لأهمية التهدئة وتغليب لغة العقل بعيداً عن حملات التحريض الرخيصة».

في المحصلة، ترسم المواجهات الميدانية في أرض المعارك المعادلات السياسية بشكل واضح، وسيكون على جميع الأفرقاء المحليين مراجعة حساباتهم جيداً بعد إنتهاء المعارك في الجرود اللبنانية والسورية، بعد أن راهنوا عليها لإحداث تبدلات على المستويين المحلي والإقليمي.

قد يعجبك ايضا