موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

الكهرباء والمشكلة المزمنة: الكلفة الأعلى لأسوأ خدمة بفواتير متعددة

دخلت أزمة الكهرباء مرحلة متقدمة مع العام 2015، حيث كان يفترض أن تكون التغذية 24 ساعة يومياً، تبعاً لخطة وزير الطاقة السابق جبران باسيل، التي وضعت في العام 2011، وصرفت على أساسها مخصصات من المجلس النيابي بأكثر من مليار و200 مليون دولار من الخزينة مباشرة، بين تلزيمات لمعامل جديدة متوقفة، بين دير عمار والذوق والجية، التي تأخرت أكثر من 8 أشهر عن مواعيد انجازها لخلافات وصراع بين “الطاقة” و”المالية” وتأخير تسديد المتوجبات بسب الصراعات السياسية في داخل منافع القطاعات الخدماتية والمصالح الشخصية لبعض المرجعيات السياسية. وكان يفترض مع العام 2015 أن تضيق رقعة الهدر، التي ما زالت قائمة وبمعدلات كبيرة، على الرغم من بعض التحسن الجزئي في بعض المناطق.

ويبقى السؤال قائماً: كيف يربح اصحاب المولدات الخاصة في المناطق والبلدات والبلديات، في حين تخسر مؤسسة الكهرباء مئات المليارات سنوياً؟

الجواب بسيط وهو أن اصحاب المولدات يستفيدون من التعرفة العالية، على أساس اسعار المازوت والمحروقات، مع اضافة الخدمة على الفواتير من جهة. ومن جهة ثانية قيام مافيات المولدات باستخدام شبكات الدولة وتمديداتها وسرقة الكهرباء، فيبيعون كهرباء الدولة احياناً باسعار غير مدعومة. أما النقطة الأهم فهي وجود العدادات لدى اصحاب المولدات بمنع التعديات والسرقات، بحيث لايتكون أي طاقة مهدورة فتكون الافادة على كل الجبهات. وهكذا تكون محاولات البلديات في بعض المناطق توفيراً على المستهلك الذي يتحمل السعرين والفاتورتين في معظم المناطق. فكهرباء الدولة مدعومة وكهرباء المولدات والبلديات تكون بسعر الكلفة مضافاً اليها معدلات الربح البعيدة عن الرقابة.

الامتيازات وأصحاب المولدات تتفوق على الدولة

الحل يبقى اولاً بتحسين الانتاج ووقف تنفيعات المرجعيات الخاصة. ومن ثم المباشرة بتركيب العدادات الذكية التي تحد من الهدر والسرقات على الشبكات وتحول العجز المتراكم إلى توازن اولاً، حتى لا نقول الأرباح في المرحلة الأولى. وكان يفترض ان تبدأ عملية تركيب العدادات الذكية هذ السنة على الرغم من التأخر، الا ان مافيات استثمار الطاقة ووضع اليد عليها يؤخرون ذلك، لتحقيق المزيد من الفوضى والكسب على حساب خسائر المواطنين والدولة والخزينة. إن تركيب 1.2 مليون عداد للمشتركين بكلفة محدودة يؤمن عائدات كبيرة للدولة ويوفر العجـــوزات المســــتمرة من دون توقف، وتأكــل أكثر من 50 في المئة من عجز الموازنة العامة للدولة.

في حسبة بسيطة فإن طاقة الدولة المهدورة، مضافاً اليها معدلات التقنين، تؤمن جباية تساوي أكثر من جبايات كهرباء لبنان، بل أكثر من ضعفها، على أساس انتاج نصف طاقة التغذية المقدرة بحوالي 3000 مليار ليرة، حسب السعر، من دون الدعم الذي تتحمله الدولة (عجز الكهرباء الحالي حوالي الملياري دولار سنوياً).

كل ذلك يحصل على حساب تحميل المواطن والخزينة اعباء كبيرة ومتزايدة نتيجة السياسات المعتمدة من قبل الوزارات المتعاقبة منذ بداية الثمانينيات وحتى اليوم، حيث تزيد النفقات على الكهرباء وعجزها سنوياً، مقابل تراجع ساعات التغذية وتعدد الفواتير بين المولدات الخاصة وفواتير الكهرباء ووسائل الانارة الذاتية للمنازل والمؤسسات، ما يحمل قطاعات الانتاج الكثير من الاعباء ويقعدها عن المنافسة وفرص التصدير نتيجة الكلفة المرتفعة. بمعنى آخر وأدق فإن المواطن بات مع اشتداد موجة الصيف الحالية والشتاء الماضي، يدفع ثلاث فواتير للكهرباء تأكل أكثر من الحد الأدنى للأجور البالغ حوالي 675 الف ليرة)، بين مؤسسة الكهرباء وفاتورة المولد لتجار المولدات، والانتاج الخاص في حال استخدم الطاقة الذتية من مولد خاص أو وسائل الانارة الأخرى، والضغط سيزيد مع موجة الحر ورمضان هذه السنة ومع موجة البرد حيث تزداد الحاجة إلى وسائل التدفئة. (وسط مرحلة معيشية تزداد صعوبة مع تراجع المداخيل وفرص العمل وامكانية تحسين الأجور نتيجة الظروف الاقتصادية). بمعنى آخر أن تأمين التيار الكهربائي يعتبر الخدمة الأقل في لبنان بالكلفة الأعلى على المواطن والمستهلك اللبناني من دون تمييز بين الدخل الأقل والمردود الأعلى.

في المعلومات البديهية يمكن التوقف عند ظاهرة بسيطة، هي أن مؤسسة كهرباء لبنان حتى بداية الثمانينيات، وتحديداً تاريخ الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، كانت تتمتع بحساب ايجابي لدى مصرف لبنان، بمعنى انها لم تكن دخلت حلقة العجز الجهنمية التي استمرت منذ اواسط الثمانينيات وحتى اليوم، وتحديداً منذ بداية التسعينيات حيث بدأ رقم العجز يتزايد بشكل سنوي. فعلى أساس سنوي، ومنذ بداية العجز تبعاً لعوامل عدة منها ارتفاع اسعار النفط ومنها الهدر والسرقات على الشبكات والتلزيمات والسمسرات على المجموعات والمعامل الجديدة والهدر على الشبكات، أكلت حتى الان حوالي 21.3 مليار دولار، قيمة العجوزات المتراكمة حتى العام 2015، مع احتساب جزء من كلفة الفوائد على تراكمات العجز الذي بات يشكل حوالي 42 في المئة من كلفة الدين العام المتراكم على الدولة، كون عجز الكهرباء سنوياً يقارب 21 مليار دولار سنوياً استناداً إلى كلفة موازنة كهرباء لبنان المقدرة حسب الأعوام الأخيرة بين حوالي 4100 و4400 مليار ليرة.

في الايرادات فإن تقديرات العام 2015 تفيد بتوقع عائدات بحوالي 1318 مليار ليرة بزيادة حوالي 210 مليارات ليرة عن العام 2014 هذا مع العلم أن شركات الخدمات حسنت الجباية خلال العام 2014 حوالي 8 في المئة في بعض المناطق، على الرغم من استمرار مافيات المولدات بوضع اليد على مقدرات بيع الطاقة في العديد من المناطق التي ما زالت الدولة فيها شبه غائبة.

الانتاج والعجز والهدر والفوترة 2015

لاشك أن موازنة الكهرباء التي وضعت للعام 2015 وعدّلت غير مرة نتيجة تراجع اسعار النفط العالمية خففت العجز بعض الشيء، مقارنة بالسنتين الأخيرتين، ليس بسبب شطارة المسؤولين في “الطاقة” و”المالية” وانما بسبب تراجع اسعار النفط العالمية التي خفضت عجز الكهرباء بحوالي 1000 الى 1200 مليار ليرة مرحليا مقارنة بالعامين السابقين حيث انخفض برميل النفط حوالي 25 في المئة. تعرفة الكهرباء في لبنان موضوعة على سعر برميل نفط لايقارب 25 إلى 30 دولاراً لبرميل النفط وهذا يعني أن تعرفة الكهرباء الرسمية مدعومة بشكل كبير حيث تقدر كلفة انتاج الكيلوات ساعة بحوالي 227 ليرة إلى 238 ليرة ويباع للقسم الأكبر من المشتركين بما بين 62 ليرة للإمتيازات و142 الى 147 ليرة إلى المشتركين في مختلف المناطق.

اما كميات الطاقة المنتجة والموزعة فتقدر بحوالي 14مليوناً و962 الفاً و53 كيلوات ساعة بينما تبلغ الطاقة المفوترة حوالي 9.9 ملايين كيلوات ساعة ،أي بنسبة هدر قدرها حوالي 33.6 في المئة بين الفني وغير الفني. وعلى هذا الأساس فإن تقديرات الجباية للعام 2015 ستكون بحدود 1309.9 مليارات ليرة.

بعدما استطاعت شركات الخدمات تحسين الجباية حوالي 200 مليار ليرة. أما النفقات في العام 2015 فقد تراجعت إلى حوالي 4009 مليارات ليرة بدلاً من 4343.7 ملياراً في العام 2014.

توزّعْ الهدر يختلف بين منطقة وأخرى وهي الأقل في مناطق الامتيازات (زحلة وجبيل) وتصل إلى 2.5 في المئة حسب مؤسسة كهرباء لبنان بينما تصل الى 52.7 في المئة في الجنوب وحــــوالي 57.7 في المئة في منطقة الشمال، و74 في المئة في البقاع و28.5 في المئة في جبل لبنان، وفي بيـــروت نسبة الهدر فيــها حوالي 24.6 في المئة. بمعنى آخر أن الامتيازات تحـــصل على السعر الأرخص والمدعــــوم في الطاقة وهي تحقق أعلى نسبة جباية ومردودها يكون الأفضل بالنسبة لها وللمناطق العاملة في نطاقها.

(عدنان الحاج – السفير)

قد يعجبك ايضا