موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

أسرار شاطئ الرملة البيضاء.. كيف تحوّلت الاملاك العامة إلى خاصة؟

غسان بو دياب – الديار

فجرت وثائق، تمكنت «الديار» من الحصول عليها، فضيحة كبيرة، تتمثل بأسماء مالكي الشركات التي سيطرت على دالية الروشة وأخلت الصيادين منه، بالإضافة إلى تفجير حقيقة مروعة أخرى، تتمثل في كون الشركات المذكورة عينها، أو شركات شركائها، تحاول وضع اليد على عقارات الرملة البيضاء، وإغلاقها، ومنع اللبنانيين من التمتع بحقهم الطبيعي في شاطئهم.

وأشارت تحقيقات «الديار» المعمقة إلى وجود «ترابط كبير» بين ملفي دالية الروشة، والرملة البيضاء، وخاصة في موضع التزامن بين طرحها، وفي توقيت الطرح، وفي استدعاء قضاء الأمور المستعجلة لبت ملفات يعلم القاصي والداني شدة تشابكها وتعقيدها، وهي أصلا متعلقة بالقضاء الإداري، لأن فيها ملفا عاما، لا يمكن البت فيه إلا بعد أن يأخذ كامل المسار القانوني والقضائي، كما كشفت التحقيقات عن لائحة بسماسرة وصفقات تجري على حساب المواطنين.

ـ دالية الروشة ـ

وتشير الوثائق إلى أن أحدى أهم الشركات المالكة للعقار الدالية، هي شركة «المال للإستثمار القابضة ش.م.ل»، وهي مكونة من كل من أيمن رفيق الحريري، وفهد رفيق الحريري وبهاء رفيق الحريري، والرئيس سعد الدين رفيق الحريري، ولكل منهم 971 سهما، كما السيدة نازك أسعد عبد الرزاق عودة ولها 625 سهما، وهند رفيق الحريري ولها 485 سهما ووليد محيي الدين السبع أعين الذي يمتلك أيضا سهما واحدا، والرئيس فؤاد السنيورة وشركاء آخرين لا يمتلكون أسهما.

كما أظهرت الوثائق وجود شركات أخرى لنفس الأشخاص/ أحدها باسم إيراد ش.م.ل، يمتلكها نفس مالكي «شركة المال»، ولكن بنسب مختلفة، وأخرى تدعى FRH Holding ، ويملكها السيد فهد رفيق الحريري، بـ 9998 سهما، وأخرى تدعى شركة صخرة اليمامة، التي يرأس مجلس إدارتها عدنان دمياطي، ويمتلك عشرة أسهم، في حين تمتلك شركة إيراد في هذه الشركة 13 مليون و498 ألف، و970 سهما.

تضم الدالية مرفأ لصيادي الأسماك، وتخشيبات تابعة لها، وإنشاءات تعود إلى السبعينات من القرن الماضي كمقاه متواضعة للصيادين وبيوت لهم، وقاعدة للجيش اللبناني. وتمتد إلى مساحة 128000 متر مربع، من صخرة الروشة إلى أوتيل الموفنبيك، الذي، كما يعلم الجميع، يقوم بشكل غير شرعي على مساحة كبيرة من الأملاك البحرية، كما تتضمن مغاور وكهوف تحت مائية يعرف مدخلها ولكن لا أحد يعلم أين تنتهي. وفيها أملاك خاصة، وأملاك عامة بحرية.

خلال وجود الوزير غازي العريضي في السلطة، وبالتعاون مع شركة جهاد العرب، تم تمويل مشروع تأهيل ميناء الدالية، بمبلغ قيل أنه يناهز ثمانية ملايين دولار، إلا أن هذه الشركات استطاعت، عبر دفع أموال إلى شاغلي العقارات المحيطة، تراوحت بحسب تقرير خاص بين 100 و 600 ألف دولار. بالإضافة إلى ترهيبهم باستخدام القوى الأمنية، والتضييق عليهم، إزالتها كلها، باستثناء عقار واحد يرفض شاغلوه من ورثة آل الحموي إخلاءه، بدعوة أنهم يشغلون عقارا تابعا للأملاك البحرية، وليس عقارا خاصا.

زعمت الشركات أنها قد اشترت كل دالية الروشة، من العقارات الخاصة إلى المياه، وتقدمت بدعوى إلى قاضي الأمور المستعجلة، فطالبت جهة الدفاع عن آل الحموي الإدعاء أن يبين كيف ومتى ضمت الأملاك الخاصة التي تملكها بالشراء، إلى الأملاك العامة التي لا تباع ولا تشرى ولا يمكن وضع اليد عليها. فتوجهت القاضية زلفا الحسن بتوجيه كتاب إستجواب إلى بلدية بيروت عن كيفية ضم العقارات في المنطقة، لأن هذا من إختصاص المصلحة العقارية في البلدية، فأجابت المصلحة بخطاب رسمي أن المستندات قد أحرقت أثناء الحرب اللبنانية، إلا أن البحث الذي أجراه مختصون أثمر الحصول على النسخ الأصلية، وأودعت القاضية المذكورة، فأصابها الغضب الشديد لذلك.

موضوع دالية الروشة لا يزال مفتوحا، بانتظار القرار القضائي من القاضية زلفا الحسن، ولكن مع تسليط الضوء الكاشف على الملف، فلماذا تريد هذه الشركات، وهي لورثة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتحمل إسمه، أن تشوش على ما فعله لأهل بيروت، عبر وضع اليد على الأملاك البحرية المقابلة لعقاراتهم، من خلال إغلاق الدالية بالأسلاك الشائكة، رغم القرار الصادر عن وزير البيئة، والذي طلب إزالة جميع الأسلاك الشائكة والأشياء والأتربة التي تحجب الرؤية؟

ـ الرملة البيضاء ـ

موضوع الرملة البيضاء يأتي في نفس سياق دالية الروشة بحسب مصادر وزارية واسعة الإطلاع، فهذه العقارات أيضا هي من أملاك الرئيس الحريري، وقد تم استملاكها له بمرسوم، رغم كونها من الأملاك البحرية العامة التي لا يمكن أبدا استملاكها، ولكن كان، لأنه يريد أن يبقي عليها مسبحا مجانياً لأهالي بيروت بحسب ما تقول مصادره. إلا أن أحد ورثته، إبنه فهد رفيق الحريري، باعها للمستثمر وسام عاشور بمبلغ ثلاثين مليون دولار، فثارت ثائرة الرئيس سعد الحريري، رافضا الصفقة، وأوعز إلى بلدية بيروت بإعادة العقار، ليبقى مسبحا شعبيا، فقامت بلدية بيروت بالتفاوض مع مالكه الجديد، مقابل مئة وخمسين مليون دولار أميركي!

عاشور بحسب المصادر، استصدر «سنداً للأحكام القانونية التي ترعى مسألة حماية الملكية الفردية والخاصة» من القاضية زلفا الحسن بتاريخ 9/4/2015، قرارين يقضيان» بإقفال مداخل ثلاثة عقارات في منطقة المصيطبة العقارية»، لكل من العقارات 4026 و4027 و 2369، وهذه العقارات هي المساحة الأكبر من المسبح الشعبي المجاني في الرملة البيضاء، ما سيقيد حركة الناس، ويمنعهم من الولوج الحر إلى الشاطئ. بالمقابل، تروج مصادره أنه لا يأبه، وإن أرادوا أن يأخذوا الرملة البيضاء فليأخذوها ولكن ليدفعوا ثمنا مناسبا!

وتابعت المصادر: ثارت ثائرة العديد من القوى السياسية، من بينها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، الذي أعلن بلسان مكتب الشؤون البلدية والإختيارية المركزي في حركة امل «أن محاولة وضع اليد على شاطئ الرملة البيضاء المتنفس الوحيد امام اصحاب الدخل المحدود من قبل اصحاب المشاريع العقارية هو قرار جائر يقتضي التصدي له بكل الوسائل المشروعة والمتاحة» كما رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط، الذي تحدث عن «صفقة مشبوهة الهدف منها جني عشرات ملايين الدولارات… تمنع رواد هذا الشاطىء -الرملة البيضاء – من أن يقصدوه ويستمتعوا بمتنفس أخير لهم، مع التذكير بأن الدالية في الروشة قد سبق أن تم إقفالها أمام العموم كذلك الأمر. كما صرح النائب محمد قباني (عضو كتلة المستقبل) أنه سيدعو إلى إجتماع «لمؤتمر إنماء بيروت، أول أهدافه الحفاظ على حق الناس في بيروت بمتنفس مجاني، ولا يحق لأحد حرمانهم منه».

إذن هذه «الشطارة» الموصوفة أثارت ثائرة الطبقة السياسية، كما أن الغاية التي هي المحافظة على العقار كمسبح شعبي، لا تبرر أبدا أن تدفع الدولة من المال العام مبلغاً خياليا يساوي 500 بالمئة من عقار تملكه هي أصلا! بالمقابل، قالت مصادر رفضت الكشف عن إسمها أن المتعهد عاشور ليس إلا وسيطا في عملية البيع، وأن هذه الصفقة تفوح منها رائحة السمسرات الكبرى، وبالتالي فالكل مستفيد من الفارق المرعب بين السعر الذي اشتراه به الحريري، وهو زهيد جدا للأسباب المعروفة، والسعر الذي باعه ورثته للعاشور، والسعر الذي يطلبه عاشور ثمنا للأرض، التي أصلا هي ملك الشعب اللبناني، ولا أحد يستطيع أن يزعم ملكيتها!

ـ مجموعة أسئلة واستنتاجات ـ

قالت المصادر إنها تنتظر أن تعلن قاضية الأمور المستعجلة عدم الإختصاص في النظر في هذه الملفات، وأن تحولها للقضاء الإداري العادي، خصوصا أن هناك خطأ كبيرا في التمييز بين الأملاك الخاصة والأملاك العامة، سائلة هل من تزوير حاصل في هذه الملفات الإدارية؟ كما تنتظر أن تسترد الدولة ما هو حقها من الجميع، وتزال الحواجب والأسلاك الشائكة عن دالية الروشة، فالسر يكمن في الوثائق، ولن تنطلي بعد اليوم على الرأي العام الأسماء الوهمية، كما تنتظر أن تعيد الدولة ترميم ميناء الصيادين في الدالية، الذي صرف عليه مبلغ 8 ملايين دولار، أو أن تبلغ ديوان المحاسبة أين هذه الأموال، وأن يصار إلى التحديد النهائي والفوري للأملاك البحرية، عبر القضاء الإداري، بحيث يمنع أي كان من التعدي على الأملاك البحرية أو إقفال الطريق المؤدية إليها، لأن القانون اللبناني ينص صراحة على أن كل ما يقع على المستوى البحري يتبع للأملاك البحرية، كل ما يصل المياه إليه هو أملاك بحرية، فكيف تحولت الأملاك البحرية إلى أملاك خاصة؟ هذا سؤال برسم القضاء والجهات المعنية ووزارتي الداخلية والأشغال العامة.

وختمت بالقول، لن نسمح بوضع اليد على دالية الروشة وشاطىء الرملة البيضاء، لن نسمح لحيتان المال أن تبتلع شواطىء لبنان، لن يكون الشاطىء ملاذاً للأغنياء فقط.

قد يعجبك ايضا