موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

ظاهرة أعراس البذخ… بالإستدانة!

ناجي س. البستاني – النشرة

مع التطوّر الطبيعي للمجتمعات من جيل إلى جيل، تبدّل نمط الأعراس في لبنان بشكل كبير في العقود القليلة الماضية. فتراجعت حفلات المنازل والباحات إلى الحدود الدنيا، وصارت حفلة العرس المواكبة لتقاليد الإرتباط الديني، من البديهيّات. ومن مجرّد حفل كوكتيل صغير بعد المراسم الدينيّة، إلى عشاء في أحد المطاعم، وصولاً إلى حفلة عرس كبرى في موقع مُخصّص لذلك، مع كل التحضيرات اللوجستيّة المُواكبة… إنتقلت حفلات الأعراس من كلفة بسيطة ومتواضعة بمتناول الجميع، إلى كلفة باهظة لا قدرة على توفيرها سوى من قلّة محدودة. ولأنّ المجتمع اللبناني موصوف بحبّ المظاهر وبالتشاوف وبالتباهي، إنجرف عدد كبير من العرسان الجُدد في ظاهرة أعراس البذخ… ولو بالإستدانة!

بداية لا شكّ أنّ المال وُجدَ ليُصرَف وهو ليس غاية بحدّ عينها بل وسيلة لعيش حياة أفضل، وبالتالي من حقّ من يملك القدرة المالية على إقامة أفخم الأعراس وأكثرها بذخاً، أن لا يتردّد للحظة بتحقيق ذلك. لكنّ بالنسبة إلى الأشخاص الذين ينتمون إلى الطبقة الإجتماعيّة غير المُتمكّنة مالياً، من المُستغرب أن ينجرفوا في هذا النمط المبالغ فيه في الإسراف خلال حفلات الأعراس، لا لسبب سوى تقليد الآخرين!

فهل يُعقل مثلاً أنّ شاباً وصبيّة أمضيا سنوات طويلة في خطوبة مُملّة في إنتظار تسديد الدفعة الأولى لشراء منزل لن يُصبح ملكهما إلا بعد إنتهاء عقود من الدفعات بالتقسيط، وبالكاد نجحا في توفير الحد الأدنى من مُستلزمات العيش فيه، أن يحرصا على إقامة حفل زفاف ضخم يتمّ دعوة مئات الأشخاص إليه عن غير قناعة، وفقط بهدف تقليد قريب أو صديق أو أحد سُكّان الحي؟!

وهل يُعقل مثلاً أن تبلغ تكاليف عرس شخصين مرتبطين عشرات آلاف الدولارات، لتأمين تكاليف ونفقات كلّ من بطاقات الدعوة، وموقع الحفل، وزينة الورد، والتصوير الثابت والمتحرّك، وسيارات العرس، والمأكل والمشرب، والموسيقى والإضاءة، وفرق الزفّة والترفيه، وقالب الحلوى، والألعاب الناريّة، وربّما منسّق العرس ورحلة “شهر العسل” إلى الخارج وغيرها من التكاليف، إضافة طبعاً إلى تكاليف الشعائر الدينيّة والضيافة المنزليّة وثياب العريس والعروس وأهلهما وماكياج وشعر العروس، إلخ. علماً أنّ هذين الشخصين بالتحديد يمارسان مِهناً بدخل متواضع ويفتقران في حياتهما الواقعيّة إلى أبسط مكوّنات الترف، إن بالنسبة إلى طبيعة المنزل الذي يسكنان فيه، أو بالنسبة إلى نوعيّة السيارات التي يقودانها، أو بالنسبة إلى طبيعة الحياة التي يعيشانها؟!

والأسوأ أن يلجأ بعض الأزواج إلى الإستدانة لتأمين نفقات العرس، علماً أنّ بعض المصارف باتت تُسهّل عمليّة الإستدانة لتغطية نفقات العرس، بهدف الإستفادة من الأرباح التي تُحقّقها من الفوائد، في حين يرزح المُتزوّجون الجُدد الذين يعتمدون هذه الطريقة لتأمين تكاليف حفل زفافهما، تحت وطأة ضغوط الإستدانة والكمبيالات المُستحقّة للمنزل وللعرس وربما للسيارة ولفرش المنزل وأدواته الكهربائيّة!

ولا تفسير لهذه الظاهرة سوى أنّ اللبناني أسير المظاهر وتقليد الآخرين، مع شيء كثير من الغيرة والحسد، ومع شيء كثير من الغرور والتشاوف، حيث أنّه لا يتقبّل إقامة حفل صغير ومتواضع نسبياً، في حال لجأ معارفه وأصدقاؤه وأنسباؤه إلى إقامة حفلات كبرى.

وفي مقابل الإسراف المُفرط في تكاليف الأعراس الكبيرة، تُوجد ظاهرة أخرى لا تقلّ سوءاً، وهي إصرار بعض أهالي العريس والعروس، على أن تتم دعوة مئات الأشخاص من الأقارب غير اللزم ومن الجيران والمعارف والأصدقاء المُصنّفين بعيدين، إنطلاقاً من تقاليد مُجتمعيّة مُتوارثة تقضي بأن يتم إعلام أكبر عدد ممكن بزفاف الولد وخاصة بزفاف البنت. والمُعادلة بسيطة، كلّما زاد عدد الأشخاص المدعويّن إلى العرس، إرتفعت التكاليف مباشرة، لأنّ الكلفة الكبرى والأساسيّة تكمن في طعام العشاء. وبالتالي، بدلاً من إقامة عرس صغير يقتصر على الأقرباء اللزم والأصدقاء الفعليّين، يتمّ حشو قائمة المدعويّن بأشخاص قد لا تقع عينا العريس أو عروسه عليهم بعد العرس في أي يوم من الأيّام. وأمام هذا الإصرار غير المُبرر لدعوة مئات الأشخاص، يُصبح المُقبلون على الزواج أمام خيارين سيّئين، فإمّا السقوط تحت ضغط التكاليف الباهظة للعرس الكبير، أو إقامة عرس لا يُعطي قيمة معنويّة مناسبة للمدعويّين، من حيث موقعه وأماكن الجلوس المُتوفّرة وطبيعة الخدمة ونوعية الطعام المُقدّم، إلخ. علماً أنّ الحل بسيط ويتمثّل بإقامة عرس صغير لمن يُصنّفون من المُقرّبين فعلياً، مع تأمين الحد الأدنى من الخدمات المطلوبة للترفيه عن المدعويّن، وفي طليعتها طعام العشاء المناسب، بدلاً من التبذير على كماليّات فارغة.

في الختام، الإنسان حُرّ في إختيار نمط حياته، وبالطبع شكل وطبيعة حفل زفافه، لكنّ على الراغبين بالتشاوف والتباهي بأعراس فارهة لا يملكون تكاليف تنظيمها، عدم إزعاج آذان الآخرين بالتذمّر من المال المهدور، وبالنقّ بسبب الضائقة المالية التي يرزحون تحتها!

قد يعجبك ايضا