موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

عن اللحظات التي سبقت استشهاد «ثـائـر العجلاني».. ومـا تلاهـا!

عبد الله قمح – الحدث نيوز

أنه يوم ألاحد 26 تموز 2014، تحرّكات لافتة على جبهة حي جوبر المشتعل شرقي دمشق. سخونة الجبهات بدأت ترتفع وتيرتها منذ صباح ذلك اليوم لتتماهى مع حرارة الطقس التموزي الحار. هي “مغطنيس” بالنسبة إلى الصحفي ثـائر العجلاني، تجذبه عنوةً عن كل المعارك فـ “معركة جوبر” حُلم يراوده ويتمنى توثيق لحظة تحرير الحي.

هي غاية عمل وسعى لها الإعلامي الشهيد، فكانت دوماً جوبر بوصلته في الحرب السوريّـة، خصّص لها مكانةً في أجندته المثقلة بالمهمات وكانت “جوبر” لا تغيب عن تقاريره الصحافية اليومية او تغطيته المستمرّة عبر صفحته على “الفايسبوك”. يرى فيها أم المعارك ومخاض العاصمة السورية التي ستخرجها من حالة الحرب إلى اللاحرب. كعادته، علم بشيء ما يُحضّر في الحي الدمشقي الشرقي، وكما جرت العادة، لا يريد ان يفوته الأمر، حضّر كاميرته وشنطته وإنطلق نحو جوبر. وصل إلى هناك ليلاً بعد أن أنهى أعماله المعدّة قبل يوم، جلس مع جنود وضباط في الجيش السوري على الجبهة المطلّة على العباسيين والكاراجات، إحتسى المتّة كما يُحب مع سيغارة حمراء سورية مئة في المئة، تسامر أحاديث الصيف مع الجنود وعن القادم غداً، ترصّد ميدانه الحربي الخاص وأين سيقف وكيف سيتنقّل موثقاً حلقة جديدة من فيلم “تحرير جوبر” ليحفظها مع أرشيف آخر سعى لأن يكون فلماً خاصاً بمعركة المخاض في جوبر يعرضه كمادة توثّق ما قدّمه الجيش.

قرابة منتصف الليل عاين الميدان وخطوط التماس بهدوء وإستطلع المنطقة كما العادة مع مجموعة من ضبّاط الجيش السوري، عـاد أدراجه ليحتسي كوباً آخر من “المتة” فهي أصبحت جاهزة وكان الكوب الأخير. بقي على هذه الحالة فترة من الزمن كان الهدوء يخرقه في بعض الأحيان قصف الجيش لمواقع مسلحي فيلق الرحمن في داخل الحي. عند الساعة الرابعة فجراً وتقريباً بدأ الجيش السوري برمي صليات كثيفة من الصواريخ نحو مواقع المسلحين كانت عبارة عن تمهيدٍ ناري لما هو قادم. أوجع الجيش المسلحين فكان الرصد على أجهزتهم اللاسلكية يوصل المعلومات عن حالة الضيق التي يعيشونها من جراء القصف. كتب “ثـائر” على صفحته كالعادة الخبر “الحقيقي” عن صليات الصواريخ. جندي سوري زميل له جالسٌ بقربة أخذ يتابع التعليقات على “بوست” العجلاني الأخير. كتبت فتاة تدعى “رزان” تعليقاً: “ماكان شي صاروخ يفلقوا ع الخالص لهالفيلق.. عم نسمع الله يقويهم”، إلتفت الجندي لثائر ليريه ماذا قالت فتبسّم قائلاً “ه بدو صاروخ خاص”.

إشتدّ القصف، فعقارب الساعة تقترب من ساعة الصفر، انها الخامسة تقريباً، او أقل بكم دقيقة، حضّر ثائر كاميرته كالمعتاد، ما هي إلا لحظات حتى بدأت تتساقط قذائف الهاون على المحور يتواجد فيه العجلاني وعدد من جنود الجيش السوري مع ضباطهم، حمل الكاميرا مسرعاً وتوجّه إلى مكان سقطت فيه قذيفة هاون ليصوره. تسارعت وتيرة سقوط القذائف، تحرّك الجنود يميناً ويساراً لأخذ وضعيات قتالية، إلا ثائر فضل ان يُلاحق القذائف ليلتقط مشاهد سقوطها. لم يسعفه تصوريها من الأرض، فهو قصير القامة، ولم يستطع ان يرفع الكاميرا فوق الساتر، فأحضر كرسياً ووقف عليه يجول بالكاميرا ويترصد يعينيه اين ستسقط القذيفة، كان يبتسم طيلة الوقت وسعيداً انه يوثق جولة جديدة على أمل ان تكون الأخيرة ويتحرّر الحي. في لحظات كانت ممتزجة بين اصوات صواريخ الجيش السوري وقذائف الهاون وقع ما لم يكن في الحسبان. قذيفة هاون سقط إلى جانب ثائر العجلاني تماماً وكان ينتشر بقربة عددٌ من الضبّاط والجنود. تصاعد الغبار، مع صوت ضجيجٍ قوي ممزوج بدخانٍ أسود. كان ثائر واقفاً على الكرسي، إنجلى الغبار ليكشف ان صاحب الكاميرا مرمياً على الأرض وبقربه 3 ضباط، رتيب وجندي. ركض من سلم من الجنود. أتوا بالحمّالة، رفعوا ثائر ورفاقه، وضعوه على بطنه وتوجّهوا به إلى الصحية مسرعين.

يقول الجندي الذي كان بجواره وشاهده لـ “الحدث نيوز”، “ظننته مغمياً عليه، لأن لا اثر دماء كانت على جسده، فهو كان يرتدي كنزة سوداء ولا إنارة في نقطتنا”. وضع على الحمالة بسرعة مستلقياً على بطنه ولم يكن في جسد ثـائر نبض، على ما يقول الجندي ويضيف: “توجّهنا به إلى الصحّية، أدركنا بعد وصولنا أنه كان مصاباً في بطنه إصابة مؤذية وعلى وجهه خدوش من جراء تناثر الحجار والشظايا”. قاموا مسرعين بالتوجّه به إلى المشفى 601 الميداني لكن وبعد دقائق غيّروا وجهتهم نحو مستشفى تشرين العسكري في المزّة فهناك معدّات أفضل علّها تنقذ “ثـائر”، لكن الصحفي المحبوب كان الموت قد سبقه آخذاً إستراحة محارب إلى حين.

إستشهد ثـائر من جراء الإصابة. “إستشهد فوراً” على ما يقول الجندي وإلى جانبه 3 ضباط شهداء هم: الرائد حسن احمد قنطار، الملازم اول سامر محفوض، الملازم سليمان ماردلي، الرقيب اول علي محمد والجندي محمد هيثم ليمون.

يقول الجندي الذي عاين المشهدية هذه لـ “الحدث نيوز”.. “كنت حديث المعرفة بثائر لكنه أثّر بي.. أحببته وبتنا أصدقاء كثيراً، كان قريباً إلى القلب، بكيت عليه أكثر من أي جندي إستشهد معنا.. كان مميزاً”.

غاب “ثائر العجلاني” عن الحبيبة دمشق كما كان يُطلق عليها إذاً. لا يعقل ان تكون أقدم عاصمة في التاريخ دون صوتها الذي إرتفع ناقلاً همّها. لم يعد ليظهر ذاك الشاب الثلاثيني في أحيائها حاملاً كاميرته ليسأل أهلها عن “أحوالهم في الحرب”، ولم يعد ليقوم بتوثيق حياتها في ظل الحرب، فثائر رحل إلى الجنة، أم ثوارهم مخلّدين في النار.

ما بعد شهادة ثـائر ليس كما قبلها، فالإعلام الحربي السوري خسر قدوةً، مغواراً وصاحب رسالة عنوانها سوريا، لكن ما بعد الشهادة، ان مدرسة “ثائر العجلاني” ستُعمّم لنستيقظ ذات صباح على مئة ثائر العجلاني يحملون الثقافة نفسها، الأهداف نفسها، الإندفاعة نفسها، وحب العطاء نفسه ليوثقوا “حرب ثائر” كما وثّق حربهم.. يوماً ما ستتحرّر “جوبـر” وسيخرج فيلمه إلى النور لنرى كيف وثّق حربه.. يـا سـادة. معكم ثائر العجلاني من دمشق.

– See more at: http://www.alhadathnews.net/archives/161371#sthash.gC4yCSMN.dpuf

قد يعجبك ايضا