عمر الشريف: هذه مشكلتي مع الجامعة اللبنانية

آخر تحديث : الإثنين 3 أكتوبر 2016 - 10:29 صباحًا
2016 10 03
2016 10 03
عمر الشريف: هذه مشكلتي مع الجامعة اللبنانية

بشير مصطفى – المدن

اقرأ أيضا...

بعد ليلة طويلة من الدرس، وصل الطالب عمر الشريف إلى مبنى كلية الآداب في طرابلس. دخل قاعة الإمتحان، وجلس في المكان المخصص له. بعد برهة من الزمن، تسلم الطلاب المسابقات وبدأ الزمن المحدد للإجابة عن أسئلتها. وحده الشريف بقي منتظراً، وطال إنتظاره، فهو لم يجد في القاعة من يكتب له الإجابات.

تجربة الشريف، الشاب المصاب بـ”كف البصر الجزئي”، شاهدة على جزء من معاناة الطلاب، الذين ينتمون إلى شريحة ذوي الإحتياجات الخاصة في المؤسسات التعليمية اللبنانية، والتي لا تقتصر على تغيير النظرة السلبية لدى بعض أفراد المجتمع، إنما تتعداها إلى العلاقة مع الأماكن والأشياء.

يوم من المعاناة يبدأ الشريف يومه بإصطحاب “رفيقته الوفية” العصا من منزله، متوجهاً إلى موقف الركاب ليستقل سيارة الأجرة من منطقة أبي سمراء إلى الجامعة اللبنانية في القبة. عند الوصول يواجه أولى العقبات، أي “العوائق الأمنية” و”الجنازير الحديدية” التي تزيّن مدخل الكلية.

وما إن يدخل الشاب إلى الجامعة حتى يجد نفسه في مبنى غير مُهيأ لتنقل الأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة، الذين يُضطرون للإستعانة بـ”من يتمتعون بالحس الإنساني من الطلاب والأساتذة”. فالسلالم الطويلة التي تربط طبقتي المبنى صعوداً وهبوطاً تحتاج إلى جهد إضافي عند إنجاز المعاملات أو التنقل بين الفصول الدراسية.

والصعوبات لا تقتصر على التنقل في المبنى، الذي يعود تاريخ بنائه إلى أوائل القرن العشرين أو في الحصول على مساعدة، إذ إن الصفوف غير مجهزة بوسائل الإيضاح الكافية الخاصة بفاقدي البصر الجزئي، وتلك التي تسمح لهم بمتابعة الشرح وسير المحاضرات. هكذا، يجد الشريف نفسه مضطراً للإعتماد على حاسة السمع وحدها، بعدما لم يفلح كمبيوتره الشخصي في لعب دور المساعد.

ولئن كان “التعليم فسحة الأمل الوحيدة لذوي الإعاقة لإثبات الذات في المجتمع”، توجه الشريف عبر حسابه على فيسبوك إلى الرأي العام، وتعمد الإعلان عما يجول في داخله من ضغط النفسي تراكم خلال سنتي دراسته في قسم الأدب العربي. وينطلق الشريف في حديثه إلى “المدن” من تجربة شخصية، ليؤكد أنه في بداية مسيرته الجامعية كان يُفكر في التوقف عن الدراسة، لكنه أصر على تأكيد وجوده ليشكل نموذجاً لزملاء آخرين له من الأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة. وفي لاوعي طالب اللغة العربية تسكن حكاية “مجدد الأدب العربي” طه حسين، حيث يتطلع إليه فيجده رمزاً لكل شخص يتمتع بإعاقة لأنه تجاوز ظروفه ليلعب دوراً أساسياً في عصره.

ويعود جزء من مشكلة الشريف وأقرانه إلى عدم توفر المقررات الدراسية الجاهزة وبصورة مسبقة، حيث يُضطر هؤلاء للإستعانة ببعض الأصدقاء من أجل إعادة طباعتها بـ”خط خاص وكبير”، وتحويلها إلى نصوص مقروءة لشخص كفيف. وأمام هذا الواقع، وجد الشريف نفسه على موعد مع دروس متراكمة لـ14 مادة مختلفة. لذلك يقترح الشريف على إدارة الكلية تأمين المحاضرات لذوي الإحتياجات الخاصة من خلال أقراص مدمجة أو برامج خاصة بالكفيف. كما يطالب بإصدار تعميم إداري يُحدد بموجبه الموظف المكلف مساعدة “ذوي الإحتياجات الخاصة خلال الإمتحانات” وعدم دفعهم للتنقل بين الغرف وخسارة الوقت في طلب المساعدة. في المقابل، توضح مصادر في الكلية أن التأخير الذي يحصل أحياناً في مجيء موظف يساعد في الكتابة ليس مقصوداً، وسببه أن كبار الموظفين يتولون مهمة المراقبة خلال الإمتحانات أيضاً.

في الجامعة اللبنانية العديد من التجمعات الطلابية التي تقدم المساعدات للطلاب. ويأخذ الشريف عليها عدم مطالبتها بحقوق الأشخاص المعوقين، حيث يقوم بعضها بتقديم مساعدات عينية أو تدريبية تبقى في الإطار الفردي الضيّق، ولا تنعكس على القضية العامة لهذه الشريحة.

بطولة مسرحية ومن أجل تكريس فكرة الدمج بين سائر مكونات المجتمع، ينشط الشريف اليوم في منتدى ذوي الإعاقة في الشمال في المجال الفني والتربوي، وتحديداً في فرقتي المسرح والكورال. ويستعد حالياً للعب دور رئيسي في النسخة اللبنانية من مسرحية “البؤساء”، التي ستقدم في خمسة عروض في جميع المحافظات اللبنانية، تبدأ في الأونيسكو في بيروت، وتختتم في طرابلس. وسيشكل هذا العمل فرصة للتأكيد أن “الأشخاص المعوقين أصحاب فكر وقدرات كبيرة”، وفق الشريف.

وفي المنتدى نفسه، يبدو واضحاً مدى إنجذاب رفاقه إليه. فهو “الأخ الكبير” و”الرفيق”، كما أنه “المساعد في توعية الشباب”، كما يقول صهيب الذي تلقى منه الدعم المعنوي للعودة إلى الحياة العادية بعد إصابته بحادث، حيث “غرس في رأسي فكرة أن الحياة لا تتوقف عند التعرض للإعاقة”.