يوم قررت القرية فحص عذريتي

آخر تحديث : الجمعة 7 أكتوبر 2016 - 2:50 مساءً
2016 10 07
2016 10 07
يوم قررت القرية فحص عذريتي

بيسان الشيخ – الجزيرة

اقرأ أيضا...

ولدت لأب فقره مدقع وأم لم تتجاوز فطنتها فطنة ولد في العاشرة من عمره.

لم أمكث وحيدة لوقت طويل، فسريعاً ما استدارت بطن والدتي مرة تلو الأخرى، وأصبحت بكر أخوات ثلاث وأخ بقينا نناديه تحبباً بـ “الطفل” حتى بات لديه أطفال بدوره، فيما واظب أهل القرية على ذلك النداء من باب السخرية والازدراء. وأخي، كما أمي، لم يعبر ذهنياً مرحلة الطفولة وإنما جسمه نما نمواً سريعاً كان أقرب إلى التضخم، من دون أن يمنعنا ذلك من إغداق الحب والحنان عليه، وهو بادلنا بالمثل.

أطلق علي والدي اسم زمرد، وهو اسم غير شائع ولا متداول أصلاً في قريتي، فكان ذلك مسبباً إضافياً للتنمر والتندر من جوهرة تكاد لا تجد ما يسد رمقها. ولم يكتف والداي بذلك، بل أطلقا على أخواتي أيضاً أسماء غريبة وغير مألوفة في بيئتنا، لا هي عربية ولا هي أجنبية، حتى باتت استجابتنا لأي نداء مهمة شاقة.

ذاك أن تحوير أسماءنا بشكل دائم ومتعمد غالباً، أو اغفالها كلياً واستبدالها بـ “ولي” آمرة مما لا تنادى به بنات العائلات، جعلنا نسارع إلى الاستجابة أحياناً لتلبية طلب، تفادياً لتكرار ذلك اللفظ البغيض على مسمعنا ومسمع العابرين، وحين بدأت تتفتح مراهقتنا، الواحدة تلو الأخرى، وبتنا نرغب في معاملة أرق وألطف من جيران وأقارب، كانت تنزل علينا تلك الـ “ولي” نزول الصفعة، سيما إن تزامنت مع مرور شبان في وقت النزهات المسائية.

تلك النزهات على بساطتها لم تكن لنا، فقد كانت البلدة تعج مساء بالشباب والصبايا يخطون الطرقات ذهاباً واياباً، أو يعبرونها بالسيارات السريعة مطلقين العنان لأغان صاعدة هابطة في آن. كان الفيديو كليب يخطو خطواته الأولى نحو الشاشات، والألحان السريعة لكل من مصطفى قمر وهشام عباس تتفوق على معاناة هاني شاكر وآلامه. كان من معالم المراهقة تعليق صور نجوم الغناء والتمثيل على جدران غرف النوم، ومزاولة الفتيات الرقص أمام المرآة، وخلف الأبواب الموصدة.

وشاع أيضاً تصفيف غرائبي للشعر يرفع الغرة بضع سنتمترات إلى فوق، ثم يترك أطرافها تنسدل على جانب واحد من الوجه، بحيث تهدد أي حركة للرأس توازن تلك الحالة الهندسية وتنذر بهبوطها. لكنني وأخواتي لم نجرؤ على مجاراة أي من ذلك.

نزهتنا المسائية اقتصرت على وقوفنا أمام بوابة منزلنا الصدئة، نراقب منها الزقاق والعابرين فيه، نطقطق بذور دوار الشمس ونمتنع أدباً عن بصق قشورها حين يمر كبار السن من الرجال. وبقيت وشقيقتي الأصغر نمشط شعرنا على نسق الضفائر المدرسية حتى ما عاد ذلك متناسباً مع أعمارنا، ولكننا جهدنا في رسم صورة لنا كفتيات عاقلات مطيعات.

في الصيف كنا نعمل في تسطير التنباك، أحد أكبر مواسم البلدة بعد الزيتون. لا يخجلنا دخول منازل الجيران، من مالكي الأراضي، لا كجارات وإنما كأجيرات.

وفي الشتاء، نعود إلى المدرسة التي يهجرها كثيرون من أمثالنا قبيل المرحلة التكميلية. وأنا في الواقع كنت منهم. فما إن رسبت مرتين متتاليتين حتى انصرفت إلى العمل. لم يكن عمل الفتيات شائعاً في قريتنا ما لم يكن في قطاعات التعليم، أو الوظيفة الرسمية أو في العمل الزراعي ضمن نطاق العائلة نفسها.

هكذا، وجدت نفسي في السوق الرئيسي لمنطقتنا، بائعة عطورات وأدوات تجميل وغيرها من مستلزمات القيافة النسائية والرجالية، في محل أحدث افتتاحه ضجة هائلة. فقد كان الديكور يشبه ما نراه في “أفلام المقاولات المصرية” وتغلب عليه المرايا الكثيرة، والإضاءة الملونة، وعبق العطور المتداخلة، وغير ذلك الكثير مما طبع ذائقة الثمانينات ومطلع التسعينات.

عرفت يومها معنى ألا أتقاضى راتباً فحسب، بل أن أجني أيضاً نسبة من المبيعات. كان ذلك حافزاً إضافياً لي في العمل، وحدثاً مذهلاً بالنسبة لأهالي القرية. لم يفهموا لم قد يتقاسم تاجر أرباحه مع عامل.

الأرباح القليلة التي كنت أجنيها جراء وقوفي نهاراً كاملاً خلف منضدة البيع، أفاوض الزبائن وأقنعهم بالشراء، والتي انعكست على لباسي ولباس أخواتي وساهمت في بقائهن في المدرسة، وخروج أمي من العمالة اليدوية، تلك الأرباح القليلة باتت مريبة لأهالي البلدة، باتوا يمرون بي في المتجر، ويزعمون الرغبة في الشراء لمراقبة سلوكي. هالهم أني رفضت العمل في موسم التنباك ذلك العام، ودارت الألسن تجتر طلاء أظافيري وعطري وشعري الذي فكت ضفائره.

بات علي تبرير دخلي الشهري لغرباء بمزيد من التحفظ السلوكي والكلامي. فصرت مثلاً أواظب على الصلاة، ولا أرقص في الأعراس إن دعيت إليها. كما تبارت أخواتي في النجاح المدرسي حتى أن إحداهن تقدمت على فتيات القرية في الامتحانات النهائية، ورويداً رويداً بدأنا نخرج من تلك الشرنقة، شرنقة الفقر والعزلة التي تطبق على أمثالنا في القرى.

فهنا الفقر أكثر قسوة وسلطة منه في المدينة، ذاك أن الأخيرة تطحن فقراءها في بوتقة واحدة، وتتيح لهم شيئاً من الضياع والذوبان الذي لا توفره القرية. وإن عزلتهم في حي فهم يجاورون فيه من مثلهم، ما يجعلهم سواسية أمام عوزهم وربما أكثر رأفة ببعضهم البعض أحياناً.

أما فقر القرية فمجرد من أي تعاضد اجتماعي، يزيد في قسوته التفاوت الحاضر دوماً في النسب أو الوجاهة الاجتماعية أو ملكية الأراضي وغيرها، هكذا يواجه فقراء القرى أغنياءها أو وجهائها كأفراد عزل، أيقنت ذلك حين كثر الكلام والهمس والغمز من حولنا، فقد أصبحنا فجأة، أخواتي وأنا، محط ثرثرة تنال من سمعتنا، سمعة يتناوب في تحطيمها كبار القرية وصغارها.

“طلع علينا صيت”، كما كان يقال، وهو صيت سيء طبعاً مرده أننا خرجنا من سلطة تلك الـ “ولي” التي لازمتنا لسنوات، والحال أن المسبب المباشر كان نشوب مشاجرة بين شبان من قرية قريبة، ينتمون إلى طائفة أخرى مع شبان من قريتنا، فقد تمت توسعة الطريق وبات بإمكان السيارات العبور باتجاهين ولكن بكثير من الدقة.

وكانت كثرة المشاجرات الشبابية في تلك الفترة بعدما باتت النزهات المسائية في القرى شائعة جداً ساهم فيها أيضاً افتتاح مقهى هنا أو هناك. وتصادف في ذلك المساء الخريفي أن تواجهت سيارتان تضمان شبانا غاضبون حانقون، فوقع العراك حول أحقية المرور، وقفت مع أخواتي في موقعنا المعتاد أمام البوابة، ورحنا نتفرج كما بقية الجيران على المشاجرة ونطقطق بذور دوار الشمس، ربما ابتسمنا مرة أو اثنتين لا أذكر، انفض المشكل بتدخل الآباء وقد تعرض أبناؤهم لضرب مبرح على يد “الغرباء”، فعاشت البلدة صدمة حقيقية.

لم يكن للشرطة آنذاك دور يذكر في فض النزاعات، ولم تكن المخافر قد عادت إلى العمل بعد الحرب، كان ذلك كله من اختصاص فرع المخابرات السورية في المنطقية، وهو ما لا يرغب أحد في الاستعانة به.

بمطلق الأحوال انفض الإشكال وبدأ البحث عن المسببات. زعم أحد الشباب أنه انخرط في العراك لأن “هؤلاء الغرباء جاؤوا يتحرشون ببناتنا”، ثم ذهب الزعم أبعد حين قال انه رآهم يرفعون صوت الموسيقى ويمعنون النظر فينا، أخواتي وأنا. وربما يكون ذلك صحيحاً أيضاً، لا أذكر، لكن أن يقال أننا نحن من استدرجنا الشبان إلى النزهة في ذلك الطريق فهو محض افتراء، والافتراء أكثر منه أننا، أخواتي وأنا، غالباً ما نستدرج زبائن المحال التي نعمل بها لممارسة هواية “التفحيط” في قريتنا.

مضى شهر أو أكثر والفقاعة تكبر، وسمعتنا تهبط وليس من يدافع عنا. انكفأنا في المنزل بضعة أيام، وتغيبنا عن العمل ولم نعد نخرج حتى إلى البوابة، قلنا تهدأ العاصفة ثم نخرج، لكنها لم تهدأ.

رجال القرية مهوجوسون بنا كما النساء.. إلى أن طرق بابنا ذات مساء رجل الدين طالباً أن يتحدث إلى والدي. إنها المرة الأولى التي تتم مخاطبة والدي بصفته ولي أمر، أبلغه رجل الدين ألا سبيل لدحض التهمة إلا بإخضاعنا لفحص عذرية يؤكد عفتنا. أمي أغمي عليها وبقيت طريحة الفراش لوقت غير وجيز.

خرجت من الغرفة وقد سمعت ما سمعته، وطردت رجل الدين من بيتنا، فيما انهال والدي علي ضرباً وهو يجهش بالبكاء، خرجت من المنزل مسرعة باتجاه منزل أحد “الوجهاء” من الحزبيين. قلت هؤلاء “تقدميون”، يعاملون النساء بطريقة لائقة، وزوجاتهم سيدات مجتمع. شكيت همي، ورحت أبكي وأنتحب، وأقول كيف يعقل أن يفعلوا ذلك بنا؟ لم نسمع من قبل عن شيء كهذا! من سيقوم به؟ هل رجل الدين أم طبيب؟ وماذا يحدث بعدها؟ وهل سيخرج على أهل القرية يخبرهم بحالنا؟ رد الرجل ببرود ما بعده برود. قال إنه يتفهم الموقف، وهو بشع لا شك، لكن إن لم يكن لدي ما أخشاه فلا داعي للخوف. بالعكس، هي فرصة لإثبات براءتي.. من ماذا؟ رحت أسأل.. ماذا تحديداً؟

قصدت منزل عائلة لا أتواصل مع أفرادها في العادة، إلا لما يقتضيه السلام عند المرور، كان الوقت متأخراً من الليل وبدأ البرد يدب في مفاصلي، وصلت منهكة فاستقبلني أهل البيت بدفء غير متوقع، وكانت الأخبار قد سبقتني إليهم. لم اضطر للحديث كثيراً. قالت ربة البيت بثقة وهدوء موجهة الكلام إلى زوجها “لا تقلقي. لن يحدث شيء من هذا”.

خرجت وأنا أردد بصوت مرتفع “لن يحدث شيء من هذا، لن يحدث شيء من هذا… لن يحدث، لن يحدث”.

قصة “شبه” حقيقية.