عندما تتحول شريعة الغاب إلى دستور

آخر تحديث : الإثنين 17 أكتوبر 2016 - 11:22 صباحًا
2016 10 17
2016 10 17
عندما تتحول شريعة الغاب إلى دستور

 أحمد الزعبي – لبنان 24

السياسة مبادئ وقيم، وأكثر من ذلك مواجهة للأزمات وابتكارٌ للحلول. لكنها في لبنان خزانة كبيرة تحوي كمية كبرى من المفردات والمعاني التي تصلح لكل موقف ومقام وتطوّر. فالميثاقية والشراكة والدستور والمصلحة الوطنية والممارسة الديموقراطية والترشّح والانتخاب وكذلك الفساد والانتهاب واستغلال السلطة وغيرها كلها معانٍ لمصطلحات معروفة الدلالة، لكنها في بلاد الأرز تستخدم لألف معنى ومعنى باستثناء دلالتها الأصلية.

اقرأ أيضا...

لا يعاني لبنان من الجمود والتعطيل السياسي والدستوري والمؤسساتي فحسب، بل – إلى الفساد الضارب في كل مفاصل الدولة وأجهزتها – بات المجتمع يعاني من ظواهر التفكك واستشراء الجريمة واستسهال ارتكابها، وما الأرقام الخطيرة عن التزايد المضطرد بجرائم القتل والسرقة والاعتداء إلا جرس إنذار عن الأسوأ.

عندما تسود شريعة الغاب، وتتحكم ممارسات التبلّد الانساني، يقتل مؤهل في “الأمن العام” أربعة اشخاص بسبب كلب، ويصدم سائق سيارة عجوزاً ريفياً يقطع الطريق، من دون أن يكلف نفسه عناء التوقف لاسعافه أو حتى إزاحة جثته من أمام السيارات التي فتّتت جسمه بإطاراتها!! وغيرها الكثير مما بات شائعاً في يوميات الناس.

وبعيدا عن التفسير الجنائي للجرائم، ثمة تفسير اجتماعي – نفسي أعمق؛ لدينا إلى الفساد السياسي (وهو أصل في غياب حسّ الانتماء وتغليب منطق خرق القوانين)، لدينا تهديدات أمنية داخلية وخارجية جعلت من الاستقرار استثناء ومن القلق قاعدة، ولدينا تاريخ طويل من العنف الأهلي من أيام الحرب والذي لم نخرج منه بعد، ولدينا أزمات اقتصادية ومعيشية وحياتية وكساد مواسم، ولدينا مجتمعٌ رديف من النازحين متنوعي الثقافات والعادات والميول العنفية… ولدينا – إزاء كلّ ذلك – غياب تام لأي مبادرة أو تصوّر أو خطة على مستوى الدولة… وأخطر من كل ذلك غياب الإحساس بأن ثمة حساب أو عقاب.

نحن أمام مشاكل خطيرة تراكمت خلال السنوات القليلة الماضية بشكل بات من السذاجة الادّعاء بأن تصريحاً من هنا أو حلّ أزمة سياسية من هناك كفيل بوقف الانزلاق المريع نحو الأسوأ.

وطالما أن الأزمات السياسية وسياسات التعطيل أضحت منهجاً لأهل الحكم، بات لبنان بحاجة إلى تأهيل على مستوى المجتمع واحترام القوانين وإشاعة السلم وأنظمة التعليم والرعاية الاجتماعية، ولو بمبادرات مدنية أو شراكات بين القطاع الرسمي والمدني علّها تحدّ من الجنون المستعر.

المقاربة المعكوسة للأمور القائمة حالياً لا تبني وطناً، تماماً كمن يحيي ذكرى شهداء كرام بحفلات الشاورما وجلسات السمر!