حفلة تعذيب سوريين في برج البراجنة

آخر تحديث : الإثنين 28 نوفمبر 2016 - 11:10 صباحًا
2016 11 28
2016 11 28
حفلة تعذيب سوريين في برج البراجنة

فراس الهكار

تخرّج أحمد من كلية الإعلام في جامعة دمشق، ولم يكن بوسعه العودة إلى أهله حيث مسقط رأسه في ريف محافظة الرقة الشرقي، وتُعتبر دراسة الإعلام في جامعات «النظام النصيري» سبباً كافياً لهدر دمه هناك حيث يحكم «أسود دولة الخلافة». كذلك لا يستطيع العيش في العاصمة دمشق في ظل انعدام فرص العمل، وغلاء المعيشة، لذا كأغلب السوريين قصد بيروت قبل نحو عام بحثاً عن فرصة للعيش، واستقر في بيت استأجره بالتشارك مع شباب سوريين في مخيم برج البراجنة. يعمل أحمد في ورشة دهان، ويقطن مع سبعة شباب في منزل واحد، جميعهم عمال ينحدرون من محافظة الرقة، وقبل أيام نزل عندهم ضيوف من أقاربهم، واستقبال السوريين لمعارفهم أو أقاربهم في الغربة أمر لابدّ منه ريثما يتدبرون أمرهم، إلا أن ذلك جرّ عليهم مصيبة لم تكن في حساباتهم، ويروي أحمد تفاصيلها قائلاً: «حوالي الساعة الثامنة مساءً داهم ثمانية مسلحين منزلنا في مخيم برج البراجنة، واقتادونا معهم بعد أن عرّفوا عن أنفسهم أنهم من أمن المخيم، وفتشوا المنزل بشكل عشوائي دون أن ندري عن أي شيء يبحثون».

اقرأ أيضا...

السر في «البوكسر»

أخذوا الشباب السوريين وضيوفهم إلى شقة في مخيم البرج، دون تبيان سبب الاعتقال ولسوء حظ أحمد أنه سألهم عن سبب الاحتجاز التعسفي له ولرفاقه، فكان ذلك سبباً كافياً ليبدأ «حمودة» بضربه ورفسه في مختلف أنحاء جسده، ثم بدأت جلسة التحقيق، ويضيف أحمد:«احتجزونا بالشقة وبدأوا التحقيق بعد أن أشبعونا ضرب ورفس، كانت الأسئلة مثيرة للسخرية، كانت سخريتهم واضحة منّا، يسألوننا ما لون «بوكسراتكم»، إضافة إلى أسئلة جنسية أخجل ذكرها، شعرت بالإهانة وكانت حفلة الضرب والتعذيب تبدأ كلما حاولت أن أجادلهم لماذا يفعلون بنا ذلك؟».

ثم اتضح أن الساعات الأولى كانت للتعارف فقط، وما الشتائم والرفس واللبط والضرب بالعصي إلا بداية تحضير المعتقلين نفسياً لجلسة التحقيق واللقاء مع «المعلم» الذي جاء ليشرف شخصياً على عمليات التحقيق والتعذيب.

يُضيف أحمد: «جاء شخص يبدو هو المسؤول عنهم، وبدأوا بإدخالنا عليه بالتتالي، وحين جاء دوري سألني مع النظام أنت أو مع داعش؟ أخبرته أني لو كنت مع

داعش كنت بقيت بالرقة، كان رده إن شاء الله مفكرنا مع النظام الله لا يردكم أنتم والنظام، ثم بدأت الأسئلة الدينية عن الصلوات وعدد الركعات».

عاد أحمد للسؤال عن سبب احتجازه مع رفاقه على أمل أن يحصل على إجابة شافية تُشكل مُبرراً لاعتقالهم وضربهم بهذه الطريقة الوحشية، إلا أن رد «المعلم» كما يسمونه عناصره كان أن أمرهم بضربه بشدة وحين ارتفع صراخه ما كان من «المُعلم» إلا أن سحب مسدسه ووضعه في رأسه مُطالباً إياه بالسكوت وإلا!

يتابع أحمد: «صرخت في وجهه، قوصني وريحني يكفي، أبوس ايدك تقوصني، ثم أُغمي علي وفقدت الوعي نتيجة الضرب المُبرح، وأفقت على صوت صراخ رفاقي، كان المُعلم أشد فتكاً من عناصره، واعتبرني مفلسف أكثر من اللازم وأسأل كتير، لذلك كان لازم تأديبي بضربي أكثر من البقية، واستمروا بالتناوب على ضربنا حتى الساعة الرابعة فجراً، ثم أغلقوا علينا باب الشقة وغادروا».

جمع «الغنائم»

صادروا البطاقات الشخصية للشباب والموبايلات، وكل ما بحوزتهم من أموال، وذهبوا إلى مقرهم بينما بقي المعتقلون يفكرون بطريقة للخلاص من هذه الورطة وهم لم يرتكبوا أي جرم، يقول إسماعيل (أحد المعتقلين): «أخبرنا أحد العناصر أنهم اعتقلونا لأنهم شاهدوا عبر كاميرات المراقبة أحد الشباب يحمل مسدساً على خصره، والله شيء مضحك نحن عمال بسطاء همنا أن نعيش وقلنا لهم إذا علينا أي شي أعدمونا لكن أوقفوا تعذيبنا بهي الطريقة الوحشية، لكن أي نقاش أو جدل يكون جزاء صاحبه عدد أكبر من الركلات والعصي كما حصل مع أحمد».

ويضيف: «أخذوا كل ما وجدوه بحوزتنا من مصاري كانت 100دولار و100 ألف لبناني إضافة إلى بعض الفراطة وجهازين موبايل ماركة سامسونغ، واكتشفنا بعد خروجنا أنهم أخذوا كل أغراض البيت حتى غاز الطبخ والصحون والطناجر وثيابنا الشخصية، نفضوا البيت نفض ما تركوا فيه شيء، وحاول صاحب البيت أن يسوي الأمر معهم ويعيد لنا ما أخذوه لكنهم رفضوا حتى السماح له برؤيتنا».

حصل كل ذلك ولا يعلم الشباب السوريون حتى من هؤلاء ولماذا يفعلون بهم ذلك، بقيوا على هذه الحال حتى اليوم التالي، بعد مضي أربعة وعشرين ساعة على الاعتقال بدؤوا بالصراخ وطلب النجدة لكن دون جدوى، فما كان منهم إلا أن خلعوا الباب وخرجوا، يتابع إسماعيل: «مضى يوم كامل ونحن محتجزون ولا نعرف لماذا ولا من الذي يحتجزنا، ونتيجة الجوع والعطش تملكتنا القوة فجأة وخلعنا الباب وخرجنا، ذهبنا إلى نقطة أمنية في المخيم وأخبرناهم ما حدث معنا، وقالوا لنا: هدول جماعة صح من أمن المخيم بس زعران، ودلونا على مكانهم حتى نأخذ

بطاقاتنا الشخصية، وحين وصلنا إليهم وشافونا صاروا يعيطوا ويسبونا ليش كسرنا الباب وطلعنا، واعتقلونا من جديد».

براءة

بدا واضحاً أن الأمنيين أنهوا تمثيليتهم الاستخباراتية بعد أن غنموا ما غنموه من ضحاياهم، فساقوهم جميعاً في الساعة التاسعة ليلاً وسلموهم إلى مخابرات الجيش اللبناني في ثكنة «هنري شهاب»، حيث قضى الشباب ساعة ونصف في «تفييشهم» والتأكد من سلامة سجلهم الأمني، ثم أطلقوا سراحهم بكل احترام، ليعودوا إلى بيتهم فلا يجدون سوى الجدران وعلى الفور يهربون كل واحد منهم باتجاه.

يختم أحمد حديثه بالقول: «قدمنا طلب خطي لدى اللجنة القومية في المخيم من أجل استرجاع المصادرات، وكتبنا ضبط بكل ما أخذوه دون وجه حق، ومضى نحو أسبوع على الحادثة ولا رد، يبدو أن ما ذهب لن يعود، وإن أعادوا لنا الأموال فمن سيعيد لنا كراماتنا وإنسانيتنا التي انتهكت من قبل الأشقاء؟»

يتعرض السوريون أينما حلّوا في الدول الشقيقة إلى أشكال مختلفة من الاضطهاد والتعنيف والاستغلال، ربما هي النتيجة الطبيعية للكوارث والحروب، إلا أن التنكيل الذي تعرض له الشعب السوري فقط لأنه سوري يصعب أن يحتمله أي شعب آخر.