لماذا نحب الشاورما؟

آخر تحديث : الأربعاء 30 نوفمبر 2016 - 9:02 صباحًا
2016 11 30
2016 11 30
لماذا نحب الشاورما؟

حسن الساحلي – المدن

لا ينفصل حب الشاورما عن الغواية البصرية التي تقدمها، إذ تبدو في دورانها بجوار النار، كراقصة تتمايل على مسرح. يعطي إدمان مرتادي الملاهي الليلية على تناول الشاورما، دليلاً آخر على غوايتها، فدائماً ما تأتي عقب سهرة، لتكون الحلقة الأخيرة من حركة العرض والغواية، التي يمارسها مرتادو الملاهي.

اقرأ أيضا...

طبعاً، ليست الشاورما حكراً على محبي السهر. فهي طعام مفضل عند فئات واسعة من الشباب، طلاب الجامعات، والعمال من الجنسيات الأجنبية، وذلك بسبب سهولة إعدادها، ومكوناتها الغنية التي تجعلها وجبة دسمة.

أخذت أول صورة لسيخ شاورما في العام 1855. هي ليست شاورما اليوم، بل نسخة أقرب إلى الدونر كباب Doner Kebab التركي، الذي يعتبر أباً للشاورما اللبنانية والسورية. أخذت الصورة بعد سنوات قليلة من إنتشار التصوير الفوتوغرافي، على يد المصور الإنكليزي جايمس روبرتسون المعروف كأحد أول مصوري الحروب في التاريخ (بعد تصويره مشاهد من حرب القرم بين الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية المتحالفة يومها مع فرنسا وبريطانيا وسردينيا). يظهر في الصورة ثلاثة عمال وسيخ من الشاورما. يبدو أحد العمال كأنه يدير السيخ بواسطة صحن صغير، أما العامل الصغير في السن فيقف جامداً في مواجهة السيخ، كأنه يقوم بحراسته.

اعتمد جذب الزبائن يومها على مشهد سيخ الشاورما الشهي، فاختراع المنقل العمودي لم يكن لتسهيل صناعة الدونر التي كانت تعد من طريق منقل أفقي. كانت وظيفة المنقل العمودي تتجلى في خلق فرجة، لا تبتعد كثيراً عن أساليب المطاعم اللاحقة في جذب الزبائن من خلال عرض الفراريج اللامعة في أفران الغاز، والتي تدور برويّة، مقدمةً عروضاً مغرية.

بقي استخدام المنقل العمودي محصوراً بين قلة، ولم يلق رواجاً بسبب صعوبة استعماله واضطر الدونر إلى إنتظار قرن من الزمن إلى أن أخترع المنقل الكهربائي العمودي، الذي ساهم في انتشار الدونر السريع في تركيا خلال أربعينات القرن الماضي.

انتشرت الدونر في أرجاء الإمبراطورية العثمانية خلال القرن التاسع عشر، لكنها إضطرت إلى التكيف مع مطبخ كل منطقة، وتشكيلة البهارات التي يفضلها سكانها. سمّيت شاورما في لبنان وسوريا، وهو إسم غير بعيد عن القاورما. أما في اليونان فتحولت إلى “جيروس” وصنعت بشكل أساسي من لحم البقر والخنزير. وفي مناطق الأرمن سميت “تارنا”، حيث استوحوا منها أسياخ شاورما السجق.

أخذ المهاجرون اللبنانيون الشاورما معهم إلى المكسيك، وتحولت هناك إلى آل باستور Al Pastor، التي تصنع غالباً من لحم الخنزير. وانتقلت الدونر من تركيا إلى ألمانيا مع المهاجرين الأتراك، وأصبحت طعاماً شعبياً رائجاً في السبعينات بعد سنوات من انتهاء ورش إعادة الإعمار التي أعقبت تدمير ألمانيا في الحرب العالمية الثانية.

ووفق بعض المرويات الطريفة عن انتشار الدونر في ألمانيا، يقال إن انتهاء ورش إعادة الإعمار ودخول البلاد في حال ركود إقتصادي في السبعينات، وضعت قسماً كبيراً من الأتراك في حالة بطالة. ما أجبر فئات واسعة منهم على افتتاح مطاعم دونر في كل مكان كتعويض عن أزماتهم الإقتصادية المتفاقمة.

أصبحت الدونر ومشتقاتها، من الشاورما إلى الجيروس اليونانية وآل باستور المكسيكية، طعاماً معولماً، وقد بدأت في منافسة البرغر في ألمانيا (قدر أحد الإحصاءات عدد مطاعم الدونر في ألمانيا بـ16 ألف مطعم). وظهرت مطاعم الشاورما والدونر حول العالم: من طوكيو إلى كندا مروراً ببنغلادش وألمانيا وبلدان أميركا الجنوبية، وصبغت نفسها بطعم مختلف في كل بلد من تلك البلدان، وتأقلمت مع مطبخه لتصبح اليوم إحدى ركائز المطبخ العالمي. ومؤخراً، صارت ترند Trend لا يبدو أنه سيتوقف في أي وقت قريب.