الرئيسية » مقالات مختارة » “ديبا” و”فياض”.. وكلُّك يا مالك مكتبي!

“ديبا” و”فياض”.. وكلُّك يا مالك مكتبي!

كتبت ريبيكا سليمان في موقع “لبنان 24” تحت عنوان “ديبا” و”فياض”.. وكلُّك يا مالك مكتبي!: السؤال موّجه إلى الإعلامي مالك مكتبي: هل يحتمل الجمهور جرعتين متتاليتين من “مواد” إعلامية تطرحه مخدرّاً إلى حدّ فقدان الشعور بكلّ ما هو ملموس؟! بالأمس، “أَمّا” والبارحة “فياض”! بالأمس، مسافات آلاف الأميال والسنون، والبارحة حدود مترين وشهرين! بالأمس، “حرف واحد بغيّر كل المعادلة”، والبارحة خطوة واحدة ترسم بداية ونهاية. لا حاجة في انتظار الإجابة.

يبدو واضحاً أن مكتبي، بعد عقد ونيّف من “مقارعة” الخطوط الحمر، يتطلع إلى تحويل هذا الجمهور الذي يُغرَق في سطحيات وترهات، “مدمناً” على إعلام مختلف. إعلام يضع الإنسان في الصدارة، محاولاً إحداث تغيير فعليّ مستدام، من دون استغلاله أو التلاعب بمشاعره. إعلامٌ لا يستثمر فيه الإعلامي نجاح ما يقدّمه إلا في التخطيط للأفضل. إعلامٌ يكون “الأم تيريزا” متى وجب، ويكون “مارتن لوثر كينغ” متى وجب، ويكون “غيفارا” متى وجب، أو يكون كلّ ذلك وأكثر، من أجل الارتقاء بالمجتمع، ورفع الظلم وصوغ نصّ المستقبل بخطوط عريضة من قوس قزح.


قد يكون حقاً من الظلم التركيز فقط على الحلقات الأخيرة التي عرضها برنامج “أحمر بالخطّ العريض”، وإغفال كلّ ما سبق. ملفات كثيرة فُتحت وطالت مختلف الميادين. غاص مكتبي في مكنونات مجتمعنا، فانتشل من “القعر” معضلات وموروثات ومشاكل وشوائب، مفصّلاً إياها، والعين على اجتراح دواء لكلّ داء. حتى في الحلقات التي وصفها البعض بـ “التافهة” أو “الخيالية” إلى حدّ أن بات “الإعلامي يلي مش معروف منين بجيب ضيوفو” على مواقع التواصل، كان مكتبي يُضيء على تفاصيل قد تكون بالنسبة إلى شرائح مجتمعية كثيرة، جملة الحياة، أو قد تكون مرآة ثلاثية الأبعاد تعكس الواقع على حقيقته… بكل بساطة!

ومع ذلك، تفرض الحلقات الأخيرة، بتشعبات قضاياها واختلافها، نفسها على الساح الإعلامية كما الإجتماعية والإنسانية، فتستحق تصفيقاً حارّاً، بل انحناءاً ورفع قبعات وتحيّات.

في رحلة البحث عن “ديبا دارماسيري”، نتحسسّ وجوهاً مختلفة للمعاناة. العاملة الأجنبية التي تحمل جنسية سيرلانكية تعمل في لبنان لكسب لقمة العيش. تُغتصب تحت تهديد السلاح، يتزوّجها مغتصبها (مع انها متزوجة في بلدها!!)، وتُطلّق ما إن تضع مولودتها. لا يتوقف الظلم عند هذا الحدّ بل يظلّ معانداً حتى سلب الأم طفلتها وترحيلها إلى بلدها. هذا ما حصل منذ أكثر من 25 عاماً، وتحديداً في لبنان. كم من “ديبا” عاشت ولا تزال في هذا البلد؟ وكم من امرأة، بصرف النظر عن جنسيتها، اغُتصبت أو عُنفّت أو سُلبت أمومتها وحُرمت من أولادها؟!

الابنة “زينب” بدورها، تحكي عيناها قصص وجع وظلم. صدمة الفرد حين يكتشف ذات يوم أنّ له أماً أو اباً في المجهول. عذاب البحث عن الهوية أكثر قسوة من بحث عن أهل. اجتياح الفكر بأسئلة وتساؤلات تُردي طارحها في عقدة ذنب غير مبررة، واكتساح الذات بالخجل والضياع. التأرجح بين الاستسلام وبين التصميم على كشف الحقيقة. اليأس والأمل. الخوف والقوّة…سطورٌ كثيرة يعجّ بها كتاب “الزينب”، ولعلّه من سخرية القدر أن يفكر المشاهد لبرهة بأنها محظوظة، لم تُرم رضيعة في حاوية للنفايات، كما يحصل!


عشنا مع مكتبي كلّ هذه المآسي. ذُرفت الدموع بسخاء، وتسارعت دقات القلب فرحاً أكثر من مرّة. أمامنا إعلاميّ يعمل وفريق العمل منذ عام على هذه القضية، بصمت وإرادة. في المشاهد المصوّرة التي عُرضت بكادر إخراجي مميّز، لم نلتمس تبجيلاً بدوره وشخصه. بكى بصدق طفل لحظة التقت زينب أمها وما فارقها الألم ليتمثل أخيراً بسرطان وشلل وذباب فقر على الرأس الأصلع. أمامنا امّ حاضرة لاحتضان صغيرتها الصبيّة وتمشيط شعرها والقفز معها في الحقول، ولو على كرسيّ متحرّك. وأمامنا إعلاميّ مشغولٌ باللحظة المقبلة، والتي لا تلحظها غالباً البرامج “الإنسانية” التي اعتادت طيّ صفحة “القضية” مع شارة النهاية. ماذا بعد؟ كيف سيجمع زينب بأمها في حياة “طبيعية”؟ يحاذر مكتبي دائماً التأكيد. لا يعد ولا يجزم تحسباً، على رغم العزم. يتركنا في النهاية في حال من الصدمة تفوق كلّ ما سبق، بطريقة حنونة. ترحل “أمّا” ولا نرى غير تراب وورد.

مع “احمد”، الأب الذي وُلد له ابن مصابٌ بالسماك، عايشنا كذلك محطات “غريبة” في مسيرة انسانيتنا، مجتمعنا وطبائعنا كبشر. ذرفنا الدموع مع الوالد، رغم اعترافه بعدم قدرته على الاقتراب من ابنه. بكينا أكثر لوصف رضيع “بخصائص فريدة” بـ “المخلوق الغريب”. أجهشنا حينما قال مكتبي:”الرضيع يقاوم وحيداً في المستشفى”. أسئلة، على بساطتها، طُرحت بذكاء وإصرار وتحفيز على البوح بالحقيقة الدفينة. يسأل مكتبي الوالد الذي ما فارقه دمع الذنب:”ما فكرت يوم انو بدك الله ياخذ امانته؟”. صمتٌ مريب لبرهة، وصراع. ينتزع من الوالد اعترافاً بأن الابن ابنه من لحمه ودمه، وأنه يُلحق به ظلماً عظيماً لعدم احتضانه، مع انه قَبِل مساندة أحد أطفاله الآخرين فيما لو ضربه مرض عضال بشكل مفاجئ!

يلعب الإعلامي دور المعالج أو الطبيب النفسي. لا يأتي بوالد آخر قد عايش حالاً مماثلة، من عبث. عليه أن يحصّن هدفه، بل أن يُسلّط الضوء على جانب مضيء، بفضل تفاعل مختلف.

كمشاهدين، نتيّقن حتماً قضايا “في الزوايا” مثل زواج الأقارب، أو مثل طبيعية الصدمة التي لا بد وأن تأخذ مجراها لفترة ما. وبالتأكيد نتحسس عورات المجتمع وموروثاته. الرجل كان يخاف من وصمة العار التي ستلحق بنسله وسلالته وأسلافه، لمجرد أن اتاه طفل “غريب”…مثل “السمكة”. هل حقاً وصفت الممرضة هذا الصغير بأنه “مثل السمكة”؟! فلنسأل هنا عن الكفاية والشهادة واللياقة!

يمرّ سؤال مكتبي كموجة عابرة حفرت في الصخر: “ليه الناس بدها تعيّر بالمرض؟”

يُدرك بأنه قادمٌ الى النصر. على الخير أن ينتصر، بكل ما يحمله من مرادفات مثل انسانية وحقوق وحياة. ينتصر. الخير ينتصر. يخطو أحمد مسافة مترين ويحضن رضيعه من دون خوف. كان من الأفضل عدم تصوير الطفل، لأسباب تتعلق بحقوق الأطفال فقط لا غير. تستنسخ نهاية قصة “ديبا” نفسها، فلا بدّ من تراب وقبر وورد.

ماذا لو تأخر مكتبي في الحالتين؟

عبثية هي محاولة تصوّر حال “زينب” أو “أحمد” فيما لو فات القطار. لكن من السهولة جداً توّقع أحوالنا كأشخاص ما أسقطت هذه التجارب عنهم زيف الأقنعة، لتعيدهم، ولو لفترة من هذا الزمن، من لحم ودم… ورحم!