الدولة “كشّاش” طيور

هديل فرفور – الأخبار

لا تُعدّ ظاهرة طيور النورس غريبة على المطارات القريبة من البحر، وخصوصاً في مواسم معينة. لكنّ ظاهرة زيادة نشاط حركة النورس حالياً على مدارج مطار بيروت «مُخيفة وتختلف عن كل سنة»، بحسب أمين سر نقابة الطيارين اللبنانيين فادي الخليل. هذا التصريح يدحض محاولات امتصاص الخطر الجدي الذي يتهدد سلامة الطيران، المنتهج من قبل المعنيين، المستغرقين في محاولة تبرئة مطمر الكوستا برافا من مسؤولية تزايد الطيور، من دون أن يكونوا قادرين على نفي حجم الخطر الماثل. هؤلاء، اكتفوا حتى الآن باعتماد أجهزة طرد الطيور عبر بث أصوات منفّرة لمواجهة الأزمة. هذه الأجهزة يُشكك الخبراء بجدواها مع طيور النورس التي «قد تعتاد الصوت في اليوم نفسه»

قبل أكثر من تسعة أشهر، وبتاريخ 6/4/2016، أرسلت نقابة الطيارين اللبنانيين الى وزارة الأشغال العامة والنقل والمديرية العامة للطيران المدني ومصلحة سلامة الطيران، كتاباً تطلب فيه “اتخاذ كل الإجراءات اللازمة للحؤول دون إيجاد مكب للنفايات في المنطقة المجاورة للكوستا برافا قرب مطار رفيق الحريري الدولي، والضغط على الجهات المعنية لوضع حد لأي خطة عمل تهدف الى إيجاد مثل هذا المكب، وذلك حرصاً على سلامة الملاحة الجوية وثانياً سلامة المُسافرين والمواطنين اللبنانيين (..)”.

وقتها، استندت النقابة الى ما تنص عليه المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO) في دليل المطارات الصادر عنها عام 2012 (القسم الثالث الخاص بالسيطرة على الحيوانات البرية والجوية ووضع حد للمخاطر الناجمة عن وجودها بالقرب من المطارات ولا سيما المدارج)، لتُشير الى ضرورة الالتزام بالمسافات المحددة بين وجود مكبات النفايات أو المطامر وبين المطار.

الانطلاق من هذا المُعطى يُعدّ ضرورياً للإشارة الى مسؤولية مطمر الكوستا برافا القريب من المطار عن ظاهرة زيادة حركة نشاط الطيور في نطاق المطار، وبالتالي مواجهة محاولات التخفيف من تأثير المطمر و”تسعيره” هذه الظاهرة.

سارع المعنيون الى القول إن مصبّ نهر الغدير هو المسؤول عن ظاهرة طيور النورس في نطاق مدارج المطار، لا المطمر القريب. هذه التصريحات التي تكررت، أمس، على لسان كل من وزير البيئة طارق الخطيب، الذي تفقّد المطمر، ومجلس الإنماء والإعمار الذي أصدر بياناً “برّأ” فيه المطمر من هذه المسؤولية، جاءت عقب تنفيذ القرار القضائي الذي اتخذه قاضي الأمور المُستعجلة في بعبدا، القاضي حسن حمدان، مساء أول من أمس، القاضي بوقف نقل النفايات الى المطمر الى حين إعداد الدراسات اللازمة من قبل وزارتَي الزراعة والبيئة ومديرية الطيران المدني. صبيحة تنفيذ القرار، قال وزير الأشغال العامة يوسف فنيانوس إن المديرية العامة للطيران المدني باشرت صباح اليوم (أمس) بتركيب الآلات التي تصدر أصواتاً لإبعاد الطيور عن مدارج المطار، وإن العمل يسير بوتيرة سريعة.

ساد نوع من “الاستنفار”، وصّفه بعض المتابعين بأنه يصبّ ضمن المساعي للضغط على القضاء من أجل إعادة فتح المطمر، وخصوصاً أن المعنيين استندوا الى القول إن الطيور متراكمة في نطاق مصب نهر الغدير، “وليس في موقع المطمر”. وفي هذا الإطار، عُقد مساء اجتماعا طارئا في السراي الحكومي، ضمّ رئيس الحكومة سعد الحريري الى الوزير فينيانوس، خلص بحسب الأخير، الى تنفيذ جملة من الإجراءات ابتداء من اليوم. وقال فينيانوس أن أجهزة طرد الطيور تفي بالحاجة لشهر او شهرين كحدّ أقصى. وبالتالي، يبقى الحل بمعالجة أسباب هذه الظاهرة.

يقول البروفسور في علم الطيور البرية غسان جرادي، إن مطمر النفايات يُعدّ جاذباً لطيور النورس، شأنه شأن مياه المجارير ومصبّ الغدير، علماً بأن الكثير من الخبراء البيئيين كانوا قد لفتوا الى أن المصب، الموجود منذ سنوات، لم يسبق أن تسبّب بهذا العدد الهائل من طيور النورس.

منذ يومين، أُغلق المدرج الرقم 16 في المطار بسبب وجود طيور النورس بشكل مكثّف في نطاقه. تقول مصادر المراقبين الجويين في المطار إنه سنوياً يتم إغلاق أحد المدارج بسبب موسم الطيور التي تهبط أحياناً بـ”الآلاف”، لافتاً الى أن جميع المطارات البحرية تشهد في موسم معين كثافة في تحليق الطيور. تنطلق المصادر من هذا الرأي، لتقول إن هناك نوعاً من المبالغة المُثارة في هذا المجال. وتُلمّح المصادر الى نوع من تضارب المصالح الحاصل حول من سيستفيد من هذه الأجهزة “التي لا جدوى لها”. المصادر نفسها، تميل الى القول إن الخطر المُحدق في مطار بيروت موجود في كل مطارات العالم. هذا الأمر، يتناقض وشهادة أمين سرّ نقابة الطيارين اللبنانيين فادي الخليل، الذي يُشير الى تكاثر عدد الطيور “بشكل مُخيف ومُختلف عن كل سنة”.

ثمة تساؤل يطرحه البعض: إذا كان الخطر جديّاً لدرجة الاستنفار المُثار، فلماذا إذاً شركات الطيران لا تزال تُسيّر رحلاتها الى لبنان؟ هنا، يقول الخليل إن النقابة أعلمت الاتحاد الدولي لنقابات طياري الخطوط الجوية، التي من المؤكد أنها راسلت المنظمة الدولية للطيران المدني، لكننا لم نعرف إذا ما ردّت إدارة المطار على المراسلات أو لا. حاولت “الأخبار” التواصل مع عدد من شركات الطيران، لكن معظم الشركات أحالت الإجابة عن مستوى الخطر الجدي الى رئاسة المطار، التي لم تردّ على الاتصالات المُتكرّرة. وبمعزل عن مسؤولية الجهة التي تسببت بظاهرة طيور النورس، فإنّ الخطر الجدي المُثار يفرض، بطبيعة الحال، نوعاً من الإجراءات الواجب اتباعها كي ترقى إلى المستوى الجدي للتهديد. فهل هذه الأجهزة هي بمستوى الأزمة؟

تعتمد الأجهزة الطاردة للطيور التي سيُعمد الى تركيبها على مبدأ إصدار الأصوات التي تُنفّر الطيور وتُبعدها. اللافت أن طيور النورس “تعتاد أصوات الأجهزة في اليوم نفسه، أو كحدّ أقصى في الأسبوع نفسه”، وفق ما يقول جرادي. ويلفت الأخير الى أن الطيور ذكية وهي غالباً ما تعتاد الأصوات التي تُنفّرها وتُخيفها، كي تعود لتأكل، لافتاً الى أنه في الكثير من بلدان العالم تلجأ إدارات المطار الى اعتماد أنواع معينة من الأجهزة لكل نوع من الطيور. ويُضيف: يجب إعداد دراسة أنواع الطيور المقبلة وتحديد التقنية المناسبة لها، مُستبعداً أن تكون الأجهزة التي تعمد المديرية الى تركيبها “ذات جدوى عالية”.

منذ عام 1953 وحتى عام 2016، سجلت «شبكة سلامة الطيران» ASN عالمياً 73 حادثة متعلقة باصطدام طيور بالطائرات. وتقدر «Bird Strike Committee» حجم الأضرار على الطائرات المدنية والعسكرية الأميركية الناتجة من اصطدامات الطيور بمليار دولار سنوياً، وقد تسببت هذه الحوادث بمقتل أكثر من 250 شخصاً منذ عام 1988.
عام 2016، تم تسجيل 3 حوادث في مطارات الولايات المتحدة الأميركية؛ آخرها في 19 تشرين الثاني 2016 حين اصطدمت مجموعة من الطيور بطائرة تابعة للخطوط الجوية الأميركية عند الإقلاع من مطار “سانت لويس لامبرت” في ميسوري. آنذاك، ابلغت إدارة الطيران الفيدرالية عن أضرار كبيرة في المحرك والجانب الأيمن من الطائرة، ما اضطرّ الطائرة إلى الهبوط.

عام 1988، توفي 35 شخصاً بعدما تحطمت طائرة «بوينغ 737-260» تابعة للخطوط الجوية الإثيوبية جراء اصطدام سرب من الحمام فيها عند الاقلاع. فقد «ابتلعت» المحركات الطيور، ما أدى إلى ارتفاع حرارة المحركات واحتراقها. وفي حادثة مماثلة، اصطدمت طائرة تابعة «للخطوط الجوية الشرقية» (سابقاً) بمجموعة من الطيور عام 1960، ما أدى الى تعطيل 3 محركات وسقوط الطائرة التي مات فيها 62 شخصاً.

أصدر المكتب الإعلامي لمجلس الإنماء والإعمار، أمس، بياناً، لفت فيه الى أن مُشكلة وجود الطيور في محيط مطار رفيق الحريري الدولي هي مشكلة مزمنة لوجود عدة عوامل جاذبة للطيور في محيط المطار. وقال إن عقد تنفيذ المركز المؤقت للطمر الصحي للنفايات أخذ في الاعتبار تنفيذ الإجراءات اللازمة لعدم تحول هذا المركز إلى جاذب إضافي للطيور (التغطية اليومية للنفايات بالأتربة وتجهيز المطمر بعدد من الأجهزة التي تصدر أصواتاً لإخافة الطيور). وعرض البيان أبرز الخلاصات التي توصل اليها الخبير الفني من ضمنها “استخدام أشخاص بدوام كامل، في المطار، يكونون مدربين ومجهزين بما يلزم لطرد الطيور، وخصوصاً عند إقلاع الطائرات وهبوطها، أسوة بالمطارات المعرضة لخطر الطيور”.