كُفّوا أقلامكم عن مديرية المخابرات

تعتبر نجاحات الأجهزة الأمنية في البلدان الغربية بمثابة بطولات قومية تحتفي فيها الشعوب خاصةً إذا ما قلنا أنها إنجازات تتعلق بإحباط جرائم إرهابية أو كشف خيوط أخرى مثلت “رعباً” في تلك البلدان، اللهم إلا في لبنان حيث تتحول الإنجازات إلى مكانٍ لدق الأسافين فيها وتصويرها كمؤامرات، أو سوق روايات غريبة عجيبة لمحاكاتها.

رغم الكثير من اللغط الحاصل في موضوع كشف انتحاري الحمرا يوم السبت، والأسئلة المشروعة لكل مواطن حول دوافع عملية التوقيف بهذا الشكل، إلا أن ذلك لا يجب أن يتعدى الاحترام في التعامل والرقي في تصوير ما حصل والمسؤولية في الحديث عن الإنجاز، إن كان إنجازاً أو لم يكن، كذلك بحسب نظرة كل شخص، ولا يجوز لأي أحد، خاصة الأقلام، ان تسير في مجرى نشطاء العالم الافتراضي الذين يمتهنون مهنة ليست من ثوبهم ويحللون في ما لا يعرفون، ويناقشون في أمر لا يدركون تفاصليه، يحولهم إلى “هراتقة” يخربون ويضرون أكثر مما ينفعون!.

عجيبة الأقلام التي خرجت تحيك أحرفها من خيوط الليل وتصور ما فعله عناصر مخابرات الجيش على أنه “مسرحية”، بينما صدم من هو على رأس الأجهزة الأمنية في لبنان والمحيط، من سرعة وجرأة الفريق الذي ليس بالقليل أن يوصف بـ”فريق الإستشهاديين”، الذين وضعوا دمائهم على أكفهم وخرجوا لا يعرفون شكل الإنتحاري ولا لونه، ولا يعرفون إذا ما كانوا سيعودون إلى عائلاتهم أم لا.

لن نذهب في سرد جديد حول طبيعة ما جرى ليلة السبت، حيث ان الأمثلة باتت كثيرة وموجودة، وأهمها ما اعتمد في تسخيف العملية من معرفة العناصر للانتحاري الذي ظهر أنهم يجهلونه، بل سنطلب بمحبة من تلك الأقلام أن تسأل قبل ان تكتب، أن تتحمل مسؤولية ما تسرد من وقائع خاصة إذا ما كانت غير حقيقة، أن تعر اهتمامًا للتأثيرات التي يمكن أن تحدث في الشارع بحال إن صدقها الناس وساروا خلفها، وكيف يمكن أن تحول انجاز (يا اخي عملية وليس انجاز)، من مصاف إحباط عمل إرهابي، الى صورة تشوه سهر جنود وقيادة من خلفهم، وضعت على رأس سلم أولوياتها مكافحة هؤلاء.

بطبيعة الحال، مديرية المخابرات ليس من مهماتها كشف أدق تفاصيل عملية إلقاء القبض التي هي معلومات سرية تختص فيها وحدها، يجب أن تتحفظ عليها من أجل ديمومة النجاحات الأمنية، ومن المشين أن يخرج أحدهم مشككاً طالباً تقديم إيضاحات من مديرية يعتبر ما تقوم به “عمل أمني” فقط من أجل أن يروي نفسه ويصدق!، لكنها وبكل تأكيد لم تكن بخيلة ولن تكون بخيلة في تقديم المعطيات التي يهمها إطلاع الناس عليها.

ما خرج في الأيام الماضية من كتابات، لهو أمر مشين حقاً، مشين لناحية الزمان والمكان والتوقيت، لناحية تصوير المديرية بمظهر المتآمرة التي تسعى إلى نيل المكاسب، ومشين لناحية تحويل عناصر إستشهاديين إلى عناصر “تأدية خدمة” فقط، مشين ومعيب وسخيف أن نتجاهل كل الخطر الذي أوقعوا أنفسهم به كي لا يحصل مكروه ما وأن نذهب ونرمي الإتهامات جزافاً.

قبل أن يسأل أصحاب الأقلام المارقة عن الخلفيات والأسباب.. هل سأل أحدهم نفسه ماذا كان سيحصل في حال ضغط الإنتحاري على زر التفجير؟ كم من الدماء كانت ستسيل؟ كم من عائلات جنود ستفقد أربابها؟ كم من محل ومنتجع ومطعم في ذلك الشارع كانت سيتضرّر؟ كم من إقتصاد كان سيترنّح من جراء مفاعيل الإرهابي ونتائجه؟.

ما هكذا تورد الابل.. لو كانت الانتحاري فجر نفسه لخرج من يكتب اليوم ليقول “أين الأجهزة الأمنية من تأدية واجبها” وعند تأدية هذا الواجب يخرجوا ليصوروا الواجب على أنه “مرتب وفق المصلحة”..

للأمانة ندعو إلى “سماع صوت الضمير” والتحلي بالمسؤولية في زمن كثر فيه الاعداء، أن نقف نتأمل للحظة المستقبل وكيف سيكون موقفنا في حال كانت اعترافات الارهابي تتلازم مع ما كشف وصرح عنه من أصحاب المسؤولية، بات واجبًا اليوم أن تكف تلك الاقلام عن الطعن في جسد الجيش..كفانا ارهابًا فكريًا بعد الإرهاب الميداني.

المصدر: الحدث نيوز