الإعلام اللبناني كلّه في خطر

مشهد مهين بحق الجسم الإعلامي تابعناه أول من أمس: الموظفون داخل المحطة يعملون في وقت الذروة، والمتظاهرون في الخارج يحاولون إقتحام المبنى متسلحين بالحجارة والمفرقعات النارية. على مدى ساعة ونصف الساعة، بقي هؤلاء متجمهرين، قبل أن يتدخل الجيش بعد ساعة على مناشدة القناة

إسم المخرج شربل خليل مجدداً مرتبط بحركة إعتراضية عنفية في الشارع. هذه المرة ليس على شاشة lbci، وفي برنامج «بس مات وطن»، بل على «الجديد»، التي انتقل اليها حديثاً ببرنامجين: فقرة «دمى قراطية» في نشرة الأخبار المسائية، و«برنامج دمى كراسي» الأسبوعي الذي يستضيف كل مرة شخصية سياسية لمحاورتها مع دماه.

أول من أمس، ردّت «الجديد» في مقدمة نشرتها المسائية على قيام أصحاب الكابلات بقطع بثها في مناطق مختلفة من لبنان، لا سيما في الضاحية والبقاع وأجزاء من بيروت، في حركة اعتراضية على ما ورد في حلقة «دمى كراسي» يوم الأحد الماضي. إذ ظهر فيها النائب السابق حسن يعقوب، الى جانب دمى الرئيس نبيه بري، ومعمرّ القذافي، والأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون. خلال النشرة، توجهت «الجديد» الى المشاهدين الذين لم «يصلهم مقصّ أمل»، والى الإمام موسى الصدر الذي «اتخذوه (أمل) شماعة ورهنوه تغطية لكل عمل مسيء (…)»، و«حملوه كعصا موسى لضرب صخرة الجديد»، لتلوم الرئيس نبيه برّي على عدم ردع المعتصمين ليلة الإثنين أمام مبنى القناة، مع تأكيدها على أنّ شخصية الصدر لم تظهر على الإطلاق في هذا البرنامج. وما كادت داليا أحمد تنهي هذه المقدمة، وتقديم سلسلة التقارير الإخبارية المعتادة، حتى ذهب الحدث الى مكان آخر، وصارت «الجديد» هي الحدث. عاد شباب «أمل» ليتجمهروا أمام مبنى المحطة في وطى المصيطبة، وبأعداد أكثر، متسلحين بالحجارة والمفرقعات النارية، ومستغلين وقت عرض نشرة الأخبار مساء.

هكذا، كنا ليلة الثلاثاء، مع مشهد مهين جداً بحق الجسم الإعلامي: الموظفون داخل القناة يعملون في وقت الذروة، والمتظاهرون في الخارج يحاولون رفع الحاجز الحديدي لإقتحام المبنى. على مدى ساعة ونصف الساعة، بقي هؤلاء، متجمهرين أمام الحاجر البشري الذي شكّلته مجموعة قليلة من الأمن الداخلي، قبل أن يتدخل الجيش بعد ساعة تقريباً على مناشدة القناة ونداءاتها على الهواء مباشرة. أما المشهد في مبنى المحطة صباح أمس، فكان محزناً: كافيتريا «الإذاعة والتلفزيون» أو ما يعرف بكافيتريا «صوت الشعب»، يعمّها الخراب. الألواح الزجاجية للطابق الأول الذي يعود الى «دار الفارابي»، محطم كلياً. الباب الرئيسي للمبنى معطل، وقاصدو مبنى «الجديد»، مجبرون على الدخول من الباب الخلفي. بدا الأمر أشبه بساحة حرب، تركها المعتصمون الذين صبّوا جام غضبهم ـــ وهنا المفارقة ـــ على لا شيء، فالمؤكد أنّ أحداً من هؤلاء لم يشاهد الحلقة المذكورة التي كانت وراء كل هذا الشغب. الإعتراض كما روِّج، يتعلّق بلقطة الزجل بين بري والقذافي، والى جانبها سرت شائعات أيضاً حول تجسيد شخصية الإمام الصدر، أو الإساءة اليه. لكن الحلقة (31:00) كاملة لا تتضمن سوى كلمة واحدة تسميّ الإمام، عندما يتوجه بري الى الرئيس الليبي بالقول: «يا معمرّ القذافي معك ما عندي كلام… بدي الجواب الشافي عن مصير الإمام»، لكن رد القذافي هنا، يبدو أنّ له الوقع الأكبر، إذ قال: «أنا أتحداك تقول ما بتعرف وين الإمام».

إذاً في التحليل، مشهدية إستضافة شخصية كيعقوب، وجملة القذافي في رمي سهام التشكيك حول هذا الملف الإنساني الأبرز في لبنان، أثارتا غضب جمهور «أمل»، الذي نزل وحطم وشتم في وطى المصيطبة. وفي الغالب، هو جمهور مغلوب على أمره، كما باقي جماهير الأحزاب، التي تؤخذ بالعاطفة، وتعتاش على العصبية. ولا شك في أنّها تعيش في أحزمة البؤس والتهميش، ولا شك أيضاً في أنّ «الجديد» ــ منذ فترة ليست ببعيدة ــ تضع نصب عينها رئيس مجلس النواب، الذي بات يحتلّ الأولوية في أجندتها لأسباب خرجت الى العلن أخيراً، أبرزها صفقة الكهرباء بين مجموعة «تحسين خياط» وشركة «كهرباء لبنان». حلقة «دمى كراسي» الأخيرة، لم تكن بعيدة عن هذه الأجواء بالتأكيد، وحضور يعقوب لم يكن عفوياً، وكذلك فتح ملف الإمام الصدر بعد 38 عاماً من تغييبه مع رفيقيه، مع نجل أحدهما الشيخ محمد يعقوب.

أبعد من غوغاء الشارع التي لم تردع لأكثر من ساعتين، وأبعد من مناشدة «الجديد» للمسؤولين، رأينا خطراً يتأتى ويرسم مشهديته أول من أمس، بدءاً من تصريح رئيس «المجلس الوطني للإعلام» عبد الهادي محفوظ، الذي لم يتأن ويفرغ ديبلوماسيته كما جرت العادة عند حوادث مماثلة، وينتظر أقلّه ليشاهد الحلقة المذكورة، بل بدأ يكرر كلامه على أكثر من قناة ومن ضمنها «الجديد»، بوضع المسؤولية على الأخيرة: «ينبغي للقناة أن تتجنب الوصول الى هذا المكان حالياً» بما أنّ «الكلمة لها فعل الرصاص» وعلى «المؤسسات الإعلامية أن تتحمل المسؤولية»، مبرراً الحفلات الغوغائية على القناة بالقول: «إن الإمام الصدر شخص غير عادي، ولا يمكن توظيفه لأغراض سياسية (…) ولا يجوز المساس بالمقامات الوطنية».

الى جانب محفوظ، لم تظهر القنوات الأخرى أي حسّ تضامني، مع ما يحصل من تهديد لـ «الجديد»، ما عدا lbci. في خطوة لافتة، فتحت «المؤسسة اللبنانية للإرسال» هواءها لمواكبة الحدث، وإستنكرت ما يحدث من إعتداء على القناة، واقفةً على آراء العديد من المعنيين بغية حشد تضامن أكبر مع زميلتها. في هذا الوقت، كانت قناة nbn مشغولة بنقل مباراة كرة السلة، فيما mtv تبرّر فعل الاعتداء ضد «الجديد». ثم دخلت otv على الخطّ مع وصول رئيس الجمهورية ميشال عون الى بيروت، عائداً من زيارته إلى مصر والأردن، وإيعازه لوزير الدفاع يعقوب الصراف بالتحرك السريع. أما وزير الإعلام ملحم رياشي، الذي ظهر على «الجديد» على هامش إحتفالية ذكرى 14 شباط في «بيال»، وعاد وأدلى بتصريح الى lbci، فقد دعا الى الإلتزام بالهدوء وعدم اللجوء الى العنف «غير المبرر»، مؤكداً سعيه عبر التواصل مع جميع الجهات بما فيها قيادة «أمل»، لمنع ما يحصل من «مخالفات».

ومهما يكن من تبرير لما حصل في الماضي، وتكرر أخيراً أمام مبنى «الجديد»، فإنّ الإعتداء الحاصل، لا يمكنه سوى أن يدق ناقوس الخطر للجسم الإعلامي. فالخوف كل الخوف في أن تصير التهديدات، ومحاولات إلغاء الآراء المعارضة، عبر الشارع و«القبضايات»، وفي أن يشرَّع العنف في مواجهة رأي أو كلمة، وأن تحاصر قناة لبنانية، أمام مرأى الجميع لأكثر من ساعتين، وتراعي قوى الأمن «مشاعر» الجموع وعنفها… وفي أن يكرّس الرد على برامج النقد السياسي الساخر، التي تتناول الشخصيات العامة، عرفَ المنع، ووضع هؤلاء في مصاف التقديس وفوق النقد. كان الأجدى بهؤلاء اللجوء الى القضاء، الى طرق أكثر حضارية للإعتراض، بدل إستخدام العصا في وجه الكلمة.

زينب حاوي- الأخبار