موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

هل حزب الله هو فعلاً الرابح الأكبر في الانتخابات؟

26

كتب المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات سامي عطا الله مقالاً تحليلياً لنتائج الانتخابات النيابية تحت عنوان “هل حزب الله هو فعلاً الرابح الأكبر في الانتخابات؟”، وجاء في المقال:

“في 6 أيّار، أُجرِيت الانتخابات النيابيّة في لبنان لأوّل مرّة منذ تسع سنوات. وبالنسبة إلى المواطن العادي في لبنان، لا يمكن وصف النتائج إلاّ بالمخيّبة. فالإقبال على الانتخابات أتى ضئيلاً على الرغّم من التصويت على أساس نظام تمثيل جديد نسبيّ ومختلط، يسجّل عادةً مشاركة أكبر، كما أنّ عدد النساء اللواتي ستدخلن البرلمان لم يرتفع إلاّ نزرًا قليلًا مقارنةً بعام 2009، كما فشلت المجموعات المستقلّة الجديدة في تحقيق الفوز لأكثر من مرشّحة واحدة. وعلى الرغم من جميع هذه القضايا الّتي تحيط بالانتخابات ونتائجها، فقد اختصر بعض المراقبين الأجانب والجهات المحلية الحصيلة باستيلاء حزب الله المفاجئ والنهائي على البلد. وفي ذلك تفسير مضلّل للنتائج، فشل إلى حدّ كبير في إدراك بيت القصيد في ما حقّقه حزب الله في الواقع من هذه الانتخابات.

وسط هذه المتاهة من التحاليل، يضيع واقع أنّ الحزب الّذي حقّق الفوز الأكبر هو فعليًّا حزب القوّات اللبنانيّة، وهو حزب مناهض لحزب الله. فقد تمكّنت القوّات من مضاعفة عدد مقاعدها من ثمانية إلى ستّة عشر (إذا احتسبنا النائب هنري شديد ضمن الكتلة)، ووسّعت تمثيلها من خمسة أقضية عام 2009، إلى 13 قضاءً عام 2018. وهي بانتزاعها عشرة مقاعد مارونيّة، قد بدّدت زعم التيّار الوطني الحرّ بأنّه الحزب الأكثر والأقوى تمثيلاً لمصالح المسيحيّين في البلد.

وفي الجهة المقابلة، شهد حزب رئيس الوزراء الحالي، أي تيّار المستقبل، تراجعًا في كتلته الّتي كانت الأكبر في البرلمان من أربعة وثلاثين إلى عشرين مقعدًا. وتُضعف خسارة خمسة مقاعد سنيّة قيادة رئيس الوزراء ضمن الطائفة السنيّة، إذ لم يسيطر حزبه سوى على سبعة عشر من أصل المقاعد السنيّة السبعة والعشرين. أمّا في دائرة بيروت الثانية، فقد خسر حزبه خمسة مقاعد من أصل أحد عشر، كانت أربعة منها من نصيب حزب الله أو أحزاب متحالفة معه.

وعلى الرغم من أنّ التيار الوطني الحرّ قد زاد حجم كتلته بمقعدين ليحصد تسعةً وعشرين مقعدًا، فيصبح أكبر كتلة في البرلمان، فإنّ نصره ليس ساحقًا، كما يزعم رئيسه جبران باسيل. فالتيّار لا يسيطر سوى على ثلاثة عشر مقعدًا مارونيًّا، إذ خسر ستّة منها مقارنة بالعام 2009. كما أنّ الحزب قد اضطرّ إلى تسمية أحد عشر مرشّحًا من غير الحزبيّين ليضمن نصره في مختلف الأقضية.

أمّا حزب الله، الّذي شخصت عليه جميع الأنظار في العالم، فلم يربح سوى مقعدٍ واحد. وعلى الرغم من أنّ حزب الله وحلفاءه قد حصدوا مقعدًا في زحلة وبيروت الثانية، فهو قد خسر بعض المقاعد في بعبدا وبعلبك، أي في عرينه. ولا يقوم انتصاره على حجم كتلته بل على استئثاره بجميع المقاعد الشيعيّة السبعة والعشرين بمعيّة حركة أمل الّتي انتزعت سبعة عشر منها. وقد ضمن أيضًا فوز خمسة نوّاب سُنّة يوفّرون له غطاءً شاملاً للطوائف. أمّا بالنسبة إلى التصويت الشعبي، فقد حصَّلت لوائح حزب الله وأمل أصوات 35% من المقترعين عام 2018. وفي حين يحظى حزب الله بتأييد قسم كبير من ناخبيه الّذين يناصرونه طوعًا، فإنّ نجاحه يُعزى إلى قدرته التنظيميّة على حشد الناخبين يوم الانتخاب.

وبالفعل، يُسيطر حزب الله، مع أمل، وأحزاب أخرى أصغر حجمًا على ثلث المقاعد في البرلمان، وبالتالي فإنّ ضمّ التيّار الوطني الحرّ إلى صفّه سيمنحه الغلبة الرقميّة في المجلس النيابي. إلاّ أنّ طبيعة السياسة في لبنان لا تتيح لحزب الله وحلفائه الاستيلاء ببساطة على البلاد من خلال البرلمان. ذلك أنّ أجندة الرئيس ميشال عون، أوّلاً، يمكن أن تتباين الآن مع خطّة الحزب، بعد أن صار نزيل القصر في بعبدا، وأصبح من حقّه الحصول على حصّة من الوزارات في الحكومة. ويُرجّح أن يكون الرئيس حريصًا على الحفاظ على الدولة والمؤسسات، لدرجة قد لا تناسب ربّما حزب الله. ثانيًا، فإنّ التيّار الوطني الحرّ في وضعه الحالي قد توصّل لتوه إلى اتفاق مع تيّار المستقبل السنة الماضية، انتُخِب عون على أساسه رئيسًا للجمهوريّة، مقابل ترؤس الحريري للحكومة. وخلال السنة والنصف المنصرمة، تطوّرت هذه العلاقة بما أدّى إلى عمل الحزبين معًا على عددٍ من القضايا. فحتّى في الشقّ الانتخابي، دعا الحريري أنصاره في البترون إلى الإدلاء بصوتهم التفضيلي لباسيل، الّذي يكافح للفوز بمقعد نيابي منذ العام 2005. إلى ذلك، من شأن التجاذب بين التيّار الوطني الحرّ وحركة أمل أن يزيد علاقة التيّار بالحزب تعقيدًا خلال الأسابيع المقبلة، لأسباب ليس أقلّها عدم اتّضاح ما إذا كان التيار الوطني الحرّ سيدعم ترشيح زعيم حركة أمل نبيه برّي لتولّي رئاسة مجلس النوّاب مرّة جديدة.

تدلّ جميع المؤشّرات أن تشكيل الحكومة لن يكون بالأمر السلس، إذ يمكن لهذه العمليّة أن تمتدّ حتّى أواخر الصيف، إن بلغت المماحكات والمشاحنات السياسيّة ذروتها. وستقوم كتلة حزب الله البالغة التجانس بتعزيز موقفها التفاوضي، كما ستتمكّن من نقض التعيينات والقوانين الّتي لا تروق لها. إلاّ أنّ طبيعة المنظومة السياسيّة ستجبر الحزب على التواصل مع الأحزاب الأخرى والتفاوض معها. فإنّ قدرته على التحكّم بالدولة مقيّدة بسبب الأحزاب الخصوم، وبفعل الحصحصة الطائفية في البلد. كما أنّه ليس من مصلحة حزب الله أن يحاول الهيمنة على المشهد السياسي في لبنان، وذلك لسببين، أوّلهما أنّ المبالغة في الضغط من شأنها أن تثير عداء أفرقاء سياسيّين آخرين، بما يضرّ بالحزب. فمن المرجّح أنّ حزب الله المنخرط في الحرب في سوريا لا يريد مفاقمة وضعه داخليًّا، لأنّ ذلك قد يؤدّي إلى زعزعة الاستقرار، وهو أمر يتحتمّ على الحزب تفاديه داخليًّا حفاظًا على مصلحته. ثانيًا، يمكن للسيطرة المفرطة على مؤسسات الدولة، من خلال الاستحواذ على حقائب وزاريّة، أن يؤتي نتائج عكسيّة، سيّما إن أخفق في تحقيق النتائج. فقد أطلق حزب الله خلال الانتخابات عددًا من الوعود بمكافحة الفساد – بما يعكس الاستياء السائد ضمن صفوف ناخبيه – لكنّ الانتصار في معركة مكافحة الفساد بالغ الصعوبة في لبنان. وإن كان حزب الله لا يستمدّ قوّته من عدد المقاعد الّتي يشغلها في مجلس النوّاب، بل من قدرته على حشد مناصريه ومحازبيه؛ كما من الدعم الخارجي المتين والمتّسق الّذي يحظى به؛ ومن علاقته المميّزة بالأجهزة الأمنية والاستخباراتيّة في البلد، على الرغم من الغموض الّذي يلفّها غالباً، فهو قد حصّن نفسه بهذا الفوز. وإنّ كيفيّة توظيف الحزب لهذه القوّة، الّتي كان يمتلكها أصلاً قبل انتخابات 6 أيّار، سوف يحدّد مسار أحداث المرحلة المقبلة.

يقع من يقرأ حصيلة الانتخابات كنصر ساحق لحزب الله في فخّ الاختزال ويخطئ بيت القصيد. فالأسبوع الفائت، نفّذت إسرائيل كبرى عمليّاتها العسكريّة الّتي استهدفت الأراضي السوريّة منذ عقود، وذلك عقِب إعلان ترامب أنّ الولايات المتحدة قد تخلّت عن التزاماتها المترتّبة عن الاتفاق النووي الإيراني. ذلك أنّ الحجّة الضمنيّة الّتي يغمز من قناتها من يروّجون لفكرة أنّ حزب الله قد استولى على الحكم في لبنان، والتي يجاهر بها علنًا الكثير من القادة السياسيّين والعسكريّين الإسرائيليّين، هي أنّ الدولة اللبنانيّة باتت هدفًا مشروعًا في أيّ نزاع مستقبلي بين إسرائيل وحزب الله. فإذا وضعنا جانبًا التحاليل الخاملة والناقصة، لا نجد تفسيرًا مستنيرًا آخر لمحاولات تكريس هذه التأكيدات الخاطئة بأنّ لبنان قد وقع فجأةً تحت سيطرة حزب سياسيّ واحد.

ولا شكّ أنّ حصد حزب الله وحلفائه لأكثريّة المقاعد في مجلس النوّاب يعني أنّ سلاح الحزب لن يشكّل محور تركيز في العمل التشريعي، ولكن لا بدّ لنا هنا أن نسأل ما إذا كان قد سبق أن أولي هذا الاهتمام في الماضي. فاقتناء الحزب للأسلحة واحتفاظه بها ناجم عن إبرام اتفاق الطائف، وعن الحكومات المتعاقبة التي وافقت على إبقاء الحزب على ترسانته، بالإضافة إلى دور الجهات الإقليميّة مثل إيران الّتي دعمته فعلاً وقولاً.

إذًا، ما هو مآل هذا التركيز الّذي يشذّ جدًّا عن سياقه على الإنجازات الانتخابيّة لحزب الله؟ لقد متّن حزب الله فعليًّا موقعه في البرلمان. لكنّ ذلك لا يضيف إلى قوّته إلاّ القليل، نظرًا لعدم استعداد النوّاب لممارسة دورهم التشريعي والرقابي بشكل ناجز في البرلمان. وحريّ بأيّ مراقب حريص للوضع في لبنان ألاّ يغضّ الطرف عن حقيقة أنّ قدرة الحزب على إملاء السياسات تقيّدها طائفة من العوامل، أبرزها النظام الطائفي وسياسة الأحزاب المتقلّبة في لبنان. وفي حين يُرجّح ألاّ يشجب البيان الوزاري المنتظر سلاح حزب الله، علينا ألاّ ننسى ضرورة التوصّل إلى توافق إقليمي أوّلاً قبل اتّخاذ قرار نهائي بشأن هذا الموضوع الشائك”.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

قد يعجبك ايضا