الرئيسية » مقالات مختارة » تذليل العقبات على وقع العقوبات فما الذي ينتظر البلاد؟

تذليل العقبات على وقع العقوبات فما الذي ينتظر البلاد؟

خطفت الحزمة الأخيرة من العقوبات الأميركية والخليجية على حزب الله، وخصوصاً على قيادات الصف الأول منه، الأنظار على ما عداها من مواضيع سياسية على الساحة الداخلية والخارجية. فللمرة الأولى في تاريخ حزب الله توضع أسماء كامل قيادته السياسية على لوائح العقوبات التي أصدرتها المملكة العربية السعودية وشركاؤها في مركز استهداف تمويل الإرهاب. هذا الأمر سيترك حتماً بصمته السلبية على الاستحقاقات الداخلية الداهمة لا سيّما منه تأليف الحكومة اللبنانية.

أبعد من العقوبات على حزب الله

على الرغم من الصمت الملفت إن على صعيد الدولة اللبنانية، أو على صعيد حزب الله وعدم صدور أي بيان رسمي عن الجهتين تعليقاً على هذا الخطاب، رأى باحثون معارضون للحزب لصحيفة “الشرق الأوسط” أن هذه العقوبات تحمل رسائل مهمة لطهران وللبنانيين والأوروبيين حول جدية العقوبات ومنع هامش المناورة بين جناحي الحزب.

الاّ أن مصدراً في “حزب لله” حاول في حديث لـ”الجمهورية” التخفيف من وقع هذه القرارات معتبراً أن لا قيمة لهذه القرارات ولا مفاعيل سياسية لها، وهي لن تجد صدى عند الشعوب والدول الحرّة في المنطقة والعالم”.

وأضاف: “لقد اتُّهِمنا ووُضِعنا على لوائح الإرهاب في الماضي بسبب التزامنا بالمقاومة ضد العدو الإسرائيلي وتحرير أرضنا من رجسِه ودعمِنا لحركات المقاومة ضد الاحتلال وعدوانه، واليوم نُتهَم مجدداً بسبب مقاومتِنا الجادة ضد الإرهاب التكفيري في المنطقة وتحقيقنا نجاحات كبيرة في مواجهته وتحقيق محور المقاومة انتصاراتٍ مهمّة في أكثر من منطقة.

الى ذلك، اعتبرت مصادر سياسية لصحيفة “اللواء” ان هذه العقوبات اضفت مزيدا من الضابية والارتياب عى المشهد السياسي العام في البلاد، معربة عن تخوفها من أن تعرقل مجددا انطلاقة البلاد نحو وضع أفضل، بعد الانتخابات النيابية التي أقرّ جميع الأطراف بنتائجها رغم الخسارات الكبرى التي أصابت بعض الأطراف.

ولاحظت مصادر نيابية في الحزب لصحيفة “اللواء” ان هذه العقوبات ليست جديدة، ولو انها اضافت بعض الأسماء القيادية، وهي لن تؤثر على الحزب بضرر، لافتة الى ان الاميركيين وحلفاءهم فوجئوا بنتائج الانتخابات النيابية التي اتت بغير ما كان قد تم ابلاغهم به من فوز لحلفاء اميركا والخليج.

الوضع المالي… والعقوبات

ومما لا شكّ فيه أن فرض العقوبات على القياديين في حزب الله ترك نوعاً من القلق على الساحة الداخلية لا سيّما على العملة، ما استدعى لقاءاً سريعاً بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة

وأشارت مصادر مالية لصحيفة “الجمهورية” الى وجود قلق حيال الضغوطات التي قد تتسبّب بها تطوّرات مستجدة، على المالية العامة. إذ بعد إعلان الرئيس الأميركي الانسحابَ من النووي الايراني، تعرّضَت سندات اليوروبوند اللبنانية في الاسواق العالمية لضغوطٍ أدّت الى تراجعِ أسعارها بنِسبٍ لا يُستهان بها.

ومن ثم جاءت مسألة ارتفاع أسعار الفوائد على الدولار عالمياً، والتي من شأنها ان تزيد منسوب الصعوبات المالية بسبب ارتفاع كلفة الاقتراض في لبنان، بالإضافة الى ارتفاع اسعار النفط، والتي ستؤدي الى زيادة العجز في الخزينة لدعم الكهرباء. وأضيفَت الى هذه العوامل السلبية، قضيةُ العقوبات التي فرَضتها الولايات المتحدة ودول الخليج على كيانات وأشخاص في “حزب الله”.

هل يكون الحل بالمرّ؟

هذه العقوبات تأتي في لحظة سياسية لبنانية حساسة جداً، خصوصاً وان البلاد على مفترق طرق لاستحقاقات سياسية داهمة، ان لناحية الانتخابات داخل مجلس النواب، أو لناحية تأليف الحكومة. ففي الأولى وعلى وقع الخلاف حول نيابة رئيس مجلس النواب، بين التيار الوطني الحرّ الذي يرشح النائبين ايلي الفرزلي والياس بو صعب، والقوات اللبنانية التي أعلنت ترشيح النائب أنيس نصار لهذا الموقع. وبانتظار تبلور الصورة اكثر مطلع الاسبوع المقبل، حيث تعقد الكتلتين اجتماعين لاتخاذ القرارات المناسبة في هذا المجال، برز أمس تطور قد يخفف من حدّة المشكلة ويوصل الى اتفاق، حيث كشفت معلومات لصحيفة “اللواء” عن اتصالات تجري مع رئيس السن النائب ميشال المرّ متمنية عليه الترشح لمنصب نائب رئيس المجلس، مشيرة الى ان المرّ وضع هذا التمني في عهدة الرئيس برّي، علما انه كان سبق ان أعلن انه سيصوت للاسم الذي يرشحه “تكتل لبنان القوي” باعتبار انه يملك أكبر كتلة نيابية.

هل تنفجر قبل أن تنفرج؟

أما في ما يتعلّق بتأليف الحكومة، لا سيّما وأن موضوع التكليف بات محسوماً لمصلحة الرئيس سعد الحريري، توقّعت مصادر وزارية لصحيفة “اللواء” “أن ينعكس التصعيد الأميركي الخليجي ضد “حزب الله” تشنّجاتٍ، ليس على تشكيل الحكومة بمقدار ما سينعكس على الإعداد مسبَقاً لبيانها الوزاري، لأنّ القضية هذه المرّة ليست قضية اسماء وحقائب، بل اسماء وحقائب وسياسة. فصدور العقوبات في هذه اللحظة السياسية المحلية والاقليمية والدولية جاء بمثابة رسالة بأنّ المشاريع الإنمائية والاستثمارية الواردة في مؤتمر “سيدر 1” وغيرها من المساعدات، قد تصبح مرتبطة بشكل الحكومة وببيانها الوزاري، خصوصاً إذا استمرّ وجود الحزب في الحكومة. قد يساهم ذلك في تخفيف الشروط التي سيضعها الحزب. وهي رسالة الى من يشكّلون الحكومة، أكانوا في الرئاسة الاولى أم الثانية، تقول لهم مَهْلاً، أياً كانت المتغيرات النيابية لا تستطيع أن تؤثّر على موقع لبنان في المجتمعَين الدولي والعربي، وبالتالي لا تستطيع ان تُترجم في الحكومة لا مقاعد، ولا سياسة عامة.

ورأى المصدر “أنّ إحراج الرئيس سعد الحريري سيؤخّر الحكومة أو سيُعدّل في تشكيلها لكي تأتي وسطية، وسيفرض على البيان الوزاري السير بين الألغام والنقاط”. وقال: “إذا اعتقد أحد أنه يستطيع أن “يُشقلب” سياسة لبنان رأساً على عقب لأنه أخَذ كم مقعد زيادة أو بالناقص فهذا أمر لم يعد وارداً”، هذا فضلاً عن أنه سيكون امام مشكلة جديدة مع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الاميركية في حال ترَأسَ حكومةً يشارك فيها “حزب الله” الذي صنّفته واشنطن ودولُ مجلس التعاون الخليجي بأنه بشقّيهِ العسكري والسياسي “منظمة إرهابية”.

غير ان مصادر سياسية بارزة، وأن أكدت لصحيفة “اللواء” ان العقوبات سيكون لها تأثير على الوضع الداخلي اللبناني، إلا انها رأت ان لا مصلحة لحزب الله ولا لغيره من القوى التي كانت تسمى قوى 8 آذار، بعرقلة تأليف الحكومة، خصوصا وان هدف الحزب الاساسي هو ان يتمثل في الحكومة ليكون مشاركا بقراراتها ومطَّلعاً عليها، ولفتت إلى ان من هذا المنطلق لن تكون مطالبة الحزب بتوليه حقائب معينة بمثابة عرقلة في تأليف الحكومة، متوقعة ان يُعيد الحزب تسمية الوزير محمّد فنيش لتمثيله في مجلس الوزراء المقبل، بالنظر إلى انه كان ناجحا في مهمته وتميز بهدوئه خلال المناقشات الوزارية واطلاعه على المفات بشكل جيد، مشددة على أن من مصلحة لبنان الاستمرار في التزام سياسة النأي بالنفس، والعمل على تحصين الساحة الداخلية، بما يعزز الوفاق الداخلي ويطيل عمر التسوية القائمة التي لا يبدو أن أياً من الأطراف السياسية بوارد التخلي عنها.

واذ أشارت مصادر “اللواء” إلى ان الأجواء توحي بأن الجميع يريد تسهيل ولادة الحكومة في أسرع وقت ممكن بالنظر إلى خطورة الأوضاع ودقتها، لكنها في المقابل، لا ترى ولادة للحكومة قبل شهرين بعد تسمية الرئيس المكلف، لا سيما واننا في شهر رمضان المبارك، وفي طبيعة الحال تكون الحركة السياسية محدودة نوعا ما، معتبرة ان الشروط والمطالب العالية السقف من هنا وهناك بالنسبة للحقائب الوزارية ليست مستحيلة، وهي طبيعية، ويمكن معالجتها من خلال الحوار، لافتة الى ان حجم تمثيل حزب القوات اللبنانية يجب ان لا يتعدى الأربعة وزراء رغم زيادة عدد نوابها، لأن هناك عددا كبيرا من الكتل تطالب ايضا بالتمثيل في الحكومة.

وفي سياق متصل، علمت “الجمهورية” أن رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط سيطالب وفق أوساطه بثلاثة وزراء دروز يسميهم هو بنفسه، اذا ما كانت الحكومة من 30 وزيراً، وفي حال المطالبة بوزير درزي من حصتِه سيُطالب جنبلاط في المقابل بوزير غير درزي. أمّا في حكومة من 24 وزيراً فسيتمسّك بوزيرَين درزيَّين، من دون التوقّف عند نوعية الحقائب “لكن بالطبع لن نقبل بالفتات ولن نرضى بوزارات هامشية”.

محاولات رأب الصدع مستمرة

وعلى وقع هذه التطورات المتسارعة، لا تزال الأنظار الداخلية شاخصة الى بيت الوصط. فبعد كسر الجليد القواتي المستقبلي، علمت “الجمهورية” أنّ محاولات تجري حالياً لإعادة وصلِ ما انقطع بين “بيت الوسط” والمختارة، بقيادة النائبان غطاس خوري ووائل ابو فاعور. وتفيد المعلومات أنّ حواراً بدأ بالفعل عبر الوسيطين لكنّه لم يصل الى نتائج بعد، وأنّ أيّ لقاء بين الحريري والنائب وليد جنبلاط مرتبط بنتائج هذا الحوار.

وفيما تؤكّد أوساط جنبلاطية “أنّ السلوكيات التي رافقت الانتخابات صارت وراءنا”، تلفت إلى “أنّ الحوار ما زال في بداياته والنقاش مستمرّ ويستند الى تجربة السنتين ونِصف للحكومة لناحية الأداء والإنتاجية والعلاقة الثنائية بين الطرفين وتوازن السلطات واتّفاق الطائف”. وتذهب الأوساط الى حدّ التأكيد “أنّ هناك موازين قوى جديدة يجب أن تُؤخَذ بالاعتبار خصوصاً خلال مشاورات تأليف الحكومة وأن لا يكون هناك أيُّ تجاوز للقوى التي كرّسَت الانتخابات حيثيتها”.