موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

مفهوم الدولة الفاشلة (الهشّة) .. ما هو موقع لبنان؟

ملخص من دراسة للبروفيسور نسيم خوري – رأي اليوم

يكتنف تعبير “الدولة الفاشلة” الغموض، إذ يؤخذ على هذا المفهوم بأنّه غير دقيق ويحتمل عددًا كبيرًا من التأويلات والتساؤلات، كما أعطي مجالًا أوسع ليشمل دولًا كثيرة، الضعيفة منها وغير الضعيفة، وذلك لأسباب عديدة، يرتبط بعضها بالوضع الداخلي للدولة الموصومة بالفشل على الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، وبعضها الآخر بمصالح الدول الفاعلة ومخطّطاتها الآيلة إلى إعادة ترسيم مناطق النفوذ وإخضاع دول لغايات سياسية. بالإضافة إلى ذلك، دفع التطور الحاصل في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، إلى استخدام تعبير الدولة الفاشلة للتأثير سلبًا في الرأي العام الدولي والإقليمي والمحلي، لناحية نظرة هذا الرأي الدونيّة إلى الدولة المسمّاة فاشلة، واعتبارها غير مؤهلة لتكون جزءًا من المنظومة الدولية، وبالتالي زعزعة ثقة الدول والمؤسّسات والأشخاص بالتعامل معها في مجالات شتّى.

وقدَّم عدد من الباحثين العديد من التفسيرات لمصطلح “الدولة الفاشلة”، نتيجة صعوبة ضبط مفاهيمه، فيما تبنّى تقرير “مؤشّر الدول الفاشلة” الصادر عن مجلة “السياسة الخارجية” و”مؤسّسة صندوق السلام” تعريفًا هو الأكثر استخدامًا، إذ تضمّن سمات الدول الفاشلة ومؤشّراتها، وهو فقدان الحكومة المركزية سيطرتها على إقليم أو أقاليم من أراضيها، أو فقدان الدولة حقها السيادي في احتكار قوّتها بشكل شرعي، ما يعرّضها للاضطرابات وحركات العصيان المدني، فتصبح الدولة عاجزة عن تقديم الخدمات المجتمعية.

وتصبح الدولة فاشلة عندما تكون سيادتها مقيّدة بسبب تعرضها لعقوبات اقتصادية، وسياسية، وعسكرية، أو وجود قوات أجنبية على أراضيها. ويمكن التعرف إلى بعض خصائص هذا المفهوم، ومنها عدم قدرة الدولة أو رغبتها في حماية المواطنين واعتبار نفسها فوق القانون المحلي أو الدولي، فتمارس العنف وترتكب العدوان، أو تعاني عجزًا ديمقراطيًا يجرِّد مؤسّساتها الحكومية من جوهرها الحقيقي. ومن خلال هذه السمات والخصائص، يصبح من السهل جدًا اتهام الدول بالفشل من دون وجود وقائع أو حقائق تدلّ على الفشل، وهنا يكمن الالتباس والافتقار إلى الدقة في المفهوم.

وبناءً على ذلك، الدولة التي لا تستطيع القيام بوظائفها الأساسية ولا تستطيع الوفاء باحتياجات أفراد شعبها الأساسية بشكل مستمر، ما يؤدي على المدى الطويل إلى حالة من عدم الاستقرار، لا يمكن الحكم على فشلها بمعزل عن محيطها الإقليمي ومستجدات النظام الدولي وقضاياه، بحيث تدلّ عليها مؤشّرات سياسية وأمنيّة واجتماعية واقتصادية وثقافية ومجتمعيّة…إلخ. وتتعاظم عوامل الفشل، إمّا بسبب انخراط الدولة في صراع لفترات طويلة، أو لقصور بنيوي في مؤسّساتها لظروف تاريخية وجغرافية وديموغرافية…إلخ، أو لمواجهة أزمة حادة ومفاجئة.

آلية تصنيف الدول الفاشلة والمعايير المعتمدة

1- رغم تعدّد التعاريف المستخدمة للدولة الفاشلة، هناك معايير معتمدة يجب توافرها لتصنيف الدول الفاشلة، ومنها ما يأتي:
– عدم قدرة الحكومة المركزية في الدولة على فرض سلطتها على ترابها الوطني.
– عدم قدرة الحكومة المركزية على تأمين حدودها من الاختراقات الخارجية سواء حدودها البرّية أم مياهها الإقليمية أم مجالها الجوّي.
– عدم تمتّع الدولة بالشرعية اللازمة للحكم وانعدام تداول السلطة فيها، وتفشّي الفساد الإداري في أجهزتها ومؤسّساتها، بالإضافة إلى غياب النظم القانونية أو ضعفها.
– الانقسام المجتمعي وحدَّة الصراعات الدينية والعرقية المهدّدة لوحدتها الوطنية.

2- أمّا المؤشّرات الموجودة في الدول الفاشلة، فهي عبارة عن مؤشّرات اجتماعية واقتصادية وسياسية وعسكرية.
– المؤشّرات الاجتماعية، وتشمل: الضغوط الديموغرافية المتزايدة، هجرة السكان أو نزوحهم في الداخل من منطقة إلى أخرى أو الحركة الكبيرة للنازحين، تنامي عدد المجموعات التي تسعى إلى الانتقام من مجموعات أخرى، المشكلات الحزبية والعرقية، الفقر والبطالة والجريمة والمخدرات والسرقة، وتنامي الهجرة المزمنة والطوعية بما في ذلك هجرة الأدمغة.
– المؤشّرات الاقتصادية، وتشمل: التنمية الاقتصادية غير المتكافئة ما بين المجموعات التي تنتمي إلى البلد الواحد (الإنماء غير المتوازن)، والتدهور الاقتصادي الحاد (اختلالات بنيويّة، ركود في الدورة الاقتصادية، وانهيار قيمة النقد الوطني).
– المؤشّرات السياسية، وتشمل: تراجع مساحة الشرعية في النظام السياسي القائم، فقدان الثقة بالدولة ومؤسّساتها، تراجع وظيفة الدولة لجهة تقديم الخدمات العامة، إساءة استخدام السلطة وزيادة التدخل الخارجي في شؤون الدولة الداخلية، زيادة الشقاق الحزبي، والصراعات بين النخب الحاكمة.
– المؤشّرات العسكرية، وتشمل: انتهاكات حقوق الإنسان، ضعف السلطة الأمنية، وبروز قوى أمنية غير نظامية.

الوضع الراهن والبيئة السياسية الحالية في المنطقة والعالم

إن الصراع الذي بات يهدد كيانات بعض الدول وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، أسهم في بروز ظاهرة الإرهاب التي أصبحت وسيلة لتفكيك الدول المستهدفة وتقسيمها، كمقدّمة لتحويلها إلى دول تلصق بها تهمة الفشل، وتمهِّد لنشوء كيانات طائفية ومذهبية وإثنية متناحرة، في نظام عالمي غير واضح المعالم.

ووسط هذا الجو المتوتّر، دأبت بعض قوى العالم على استخدام مصطلح الدولة الفاشلة، كمبرّر لاجتياح بلدان معينة أو لتحقيق مجموعة من أهداف سياستها الخارجية، وذلك بذريعة أنّ الدول الفاشلة تشكل تهديدًا أمنيًا عالميًا، خصوصًا وأنّ غياب المؤسّسات في هذه الدول يؤمِّن ملاذًا آمنًا للإرهابيين وأرضًا خصبة لتنامي التطرف.

في هذا الوضع السائد، دخل لبنان في مرحلةٍ جديدةٍ مع انطلاق ما سمّي بالربيع العربي، بحيث جاءت في ظل وضع متأزّم في الداخل بسبب الأزمتين السياسية والمعيشية، وعلى حدوده الشرقية نتيجة الحرب في سوريا، وعلى حدوده الجنوبية حيث لا تزال عناصر المواجهة قائمة مع العدو الإسرائيلي. فكُتبت عدة مقالات في الصحافة العالميّة منذ اندلاع الأحداث في سوريا، عن إمكانية تحوّل لبنان إلى دولة فاشلة، وذلك بسبب الوضع العسكري المضطرب على حدوده الشرقية، والأعداد الكبيرة من النازحين السوريين الذين دخلوا أراضيه واستقروا فيها، علمًا أنّ الجيش اللبناني تمكّن من ضبط الوضع واستعادة المبادرة في تلك المنطقة منذ البداية ولمَّا يزل. وقد شُحنت هذه المقالات بأسلوب التهويل، عبر التحدث عن احتمال حصول مجازر في القرى الحدودية، نتيجة دخول الإرهابيين إليها وعدم قدرة الجيش على صدّ هذه المحاولات، وعجز الحكومة اللبنانية عن حماية مواطنيها.

ويختلف حال فشل الدول بين دولةٍ وأخرى وبين حالةٍ وأخرى، إذ إنّ هناك دولًا ضعيفة إلى حد الفشل على شكل الصومال وأفغانستان، فيما هناك دولٌ أطلق عليها صفة الفشل وهي بعيدة منها كلّ البعد، وهذا ما يشير إلى وجود مخطّطات معدّة سلفًا لتحويلها إلى دولٍ فاشلة، وذلك عبر استخدام وسائل مختلفة، لتأليب الرأي العام المحلي والدولي ضدّها، منها الضخ الإعلامي المركّز بمختلف آلياته وأساليبه.

وبدأ “صندوق السلام “منذ 2005 إصدار مؤشر الدول الفاشلة والذي تحول اسمه فيما بعد لمؤشر الدول الهشة، ويتم تقسيم الدول لمجموعات وهي : دول ذات إنذار عالي جدا، دول ذات إنذار عالي ، دول ذات إنذار ، دول ذات تحذير عالي جدا، دول ذات تحذير عالي، دول ذات تحذير، دول ذات استقرار بسيط، دول مستقرة، دول مستقرة جدا، دول ذات استقرار عالي جدا.

أبرز الدول الموجودة ضمن مجموعة “الإنذار” هي: اثيوبيا وكينيا وبنجلاديش والنيجر ورواندا.

أبرز الدول ضمن قائمة ” ذات تحذير عالي جدا” هي: الفلبين وجزر القمر ولبنان والسنغال .

أبرز الدول ضمن قائمة “ذات تحذير عالي ” هي: اسرائيل والصين والسعودية والمغرب وتركيا وفيتنام وتونس.

أبرز الدول ضمن قائمة “ذات تحذير” هي: كازاختستان وأوكرانيا وماليزيا والبحرين والبرازيل وجنوب أفريقيا.

أبرز الدول ضمن قائمة “ذات استقرار بسيط” هي: الكويت وعمان واليونان وبنما.

أبرز الدول ضمن قائمة “مستقرة” هي: قطر والإمارات واسبانيا وايطاليا والارجنتين.

أبرز الدول ضمن قائمة ” مستقرة جدا” هي: هولندا والسويد والنرويج وكندا والنمسا.

فنلندا هي الدولة الوحيدة في قائمة الدول ذات استقرار عالي جدا .

قد يعجبك ايضا