موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

“قمصان سود” ليلاً

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

بدأ نهار الأحد الفائت يختلفُ تماماً عن “أحادات العام”. طريق الجنوب (بيروت – صيدا) شبه خالية تقريباً. السّيارات نزولاً في أعدادٍ محدودة وصعوداً تكادُ تحصيها على أصابعِ اليد الواحدة. هذا الشريان موصوف أيام الآحاد بأنه مزدحم، خاصّة نزولاً حيث تختلطُ السيارات القادمة من الجنوب بتلك الآتية من الإقليم والجبل. هذا الوضع سادَ أقلّه منذ الساعة ٨ مساءاً وصعوداً!

عند مُفترق بيت الدين حيثُ “المفرق” الذي يحوّلك من طريقِ الجنوب إلى طريقِ الجبل، لا حواجز أمنية تذكرُ إلا حاجز الجيش المثبت عند مدخل طريق الشّوف، حيثُ لوحظ أن العناصر متأهبون والسيارات قليلة. هذه النتيجة أرخت عنها أحداث “سبت الجّاهلية” الأسود وما تبعهُ يوم الأحد.

في الضاحية الجنوبية لبيروت كانت السّاعة تقتربُ من منتصفِ الليل. الهدوء كان لافتاً، لكن الملاحظ أن شباناً يرتدون قمصاناً سود اخترقوه بشكل مفاجئ بسيارات رُباعية الدّفع سوداء اللون تتحركُ في الشوارعِ الرّئيسية بشكل نشط، وأخرى تقفُ إلى جوانبِ الطريق بشكلٍ طولي أو أفقي، بحسب الحاجة، تُميزكَ بأنها سيارة أمنية من “الضوءِ الملون” المُثبَت على ناصيتها. لا داعي للتدقيق بأسباب هذه الحالة طالما أنها تتزامنُ مع “التعرّض للحليف!”.

السّيارات هذه انتشرت بشكلٍ لافت في قلبِ الضاحية الجنوبية وعلى مقربةٍ من المداخل الرّئيسية، ويمكنُ معرفة هويتها ولأي جهة تتبع بالنظر فقط إلى لباس أفرادها، الذين تفرّغوا لمراقبة السيارات من دونِ سؤال سائقيها حتى. بقيَ الأمر على ما هو عليه حتى خيوط الفجر الأولى ، ثم إنسحبَ هؤلاء بهدوء تاركين خلفهم تساؤلات لم تنسحب بعد.

خيّلَ الأمر للبعض أن “قمصاناً سود” نزلوا إلى الشوارع، السّبب الذي أرخى عن هذه الفكرة هو تزامن المشهدية مع ما جرى مع الحليف، الوزير السابق وئام وهّاب في الجاهلية، أمّا بالنسبة إلى الوسط الشيعي، “ما مورسَ على وهاب يعتبرُ إعتداء على المقاومة” أما إستدراج محاكاة لطريقة توقيف الوزير السابق ميشال سماحة فلا تستقيمُ مع وهاب نظراً لإختلاف القضيتان جذرياً”.

المصادر القريبة من حزب الله لا تربطُ المسار الذي اتُبِعَ مع وهاب من خلفيةِ كلام قاله في فيديو -رغم التحفظ على ما ورد ورفضه-، بل أن هناك محامل أخرى تلامسُ حد تصفية الحسابات مع رجلٍ اشتهرَ بالصوت العالي.

النّظرة التي تبلورت هنا أن وهّاب كان عرضةً للإغتيال، إن لم يكن اغتيالاً جسدياً فإغتيالاً معنوياً – سياسيّاً، والذي أنجاه “عاصفة حزم” شنّها قادة الصف الأول في حزب الله وسياق عريض من الإتصالات وضعت الأمور عند أوزارها.

لا تحمّلُ نفس المصادر “الإنتشار الأمني” في الضاحية أوزار سياسيّة، بل تدّعي أنه أتى “في أعقابِ وضع أمني استثنائي وكإجراء روتيني يجري عادةً وبشكل مفاجئ”، لكن التبرير يبقى تبريراً والأبعاد المتآتية من خلفِ التّحرك لها محاملها، ولو أنه عبارة عن تأمينِ داخلي تحرك، لكن لا يمكنُ العبور عنهُ إلا من قراءةٍ سياسيّة لا يمكنُ فصلها عن مسلسل الأحداث الذي أتى هذه المرة بالنسبة إلى حزب الله بـ “قالب ناعم”.

فمسارُ الأمور أوضح أن حزب الله نزعَ فتيل أزمة الجبل ووأد الفتنة وأنزلَ شعبة المعلومات ومرجعيتها السّياسية عن رأس الشجرة، وكما على جبهةِ الصلح، بدا أنه جاهز على جبهةِ الحماية ايضاً، إنما يرفضُ منطق “إغتيال حليف”، ضمن قالب ظهر بأبشع صورة في سبت متّشح بالسواد جاء بعد أيام على تحديدهِ الخطوط الحمراء!

“سبت الجاهلية الأسود” و “القمصان السّود” المحصورة ضمن الضاحية، تحملُ بين جوانبها أموراً يمكنُ وضعها على طريقِ الحكومة. بعد الذي جرى السبت ثمّة من أفصحَ عن سؤال يقول: “هل اقتربت ولادة الحُكومة ؟!”، بمعنى آخر، هل تخدمُ “أحداث السبت” تسريع ولادة الحُكومة أم تبعدها؟ هل تنفّسَ الإحتقان أم تزيدُه؟

ثمّة تجارب سابقة أوحت أن إشتداد الأزمات هو طريق انفراجها. فعند بلوغ الأزمة بين حركة أمل والتيّار الوطني الحر قبل عام تقريباً مداها بسبب “فيديو محرمش”، ما كانت الأمور لتوضع عند حدها لولا دخول “درّاجي حركة أمل” إلى منطقةِ الحدت! قبلها ما كانت وضعية ٢٠٠٥ -٢٠٠٨ من أحداثِ الجامعة العربية إلى ٧ أيار لتحل، إلا بالتنفيس في الشّارعِ والوصول إلى الدوحة. بهذا المعنى ثمّة من يطرحُ نظرية تقومُ على “ولادة الحُكومة من رحمِ وهّاب” وفق القاعدة: “لا يتم تشكيل حُكومة إلا بإنفجار محدود في الشّارع أو سقوط دم”!

إلى غايةِ الآن، وضع الحديث الحكومي على الرّف، “لان الأولوية الآن هي لمعالجة ذيول حادثة الجاهلية”، على ما تؤكّد مصادر سياسيّة مطّلعة على خطِ التّأليف. وإذ تؤكد “خلو السّاحة من أي حركة حُكومية بحيث لم يسجّل نهاية الأسبوع أي مؤشر نسبة إلى ما جرى في الجاهلية”، إنسحبَ هذا الوضع ايضاً على يومِ أمس الإثنين، الذي فرّغت الجهود فيه لمتابعة “الأحداث الأمنية”.

وإذا كان من الصعبِ تقدير حجم إنعكاس “أحداث الجاهلية” على المسارِ السّياسي – الحكومي، ما يمكنُ فهمه هو أمراً واحداً أن التّأخير سببهُ إنضواء الجميع ضمن بوطقة المعالجة، وسط رهان على إنسحابِ هذه البوطقة على المسألةِ الحُكومية.

قد يعجبك ايضا