الرئيسية » فــنون » في لبنان: زوج وزوجة عاريان على الخشبة… والحقيقة “بتقتُل”!

في لبنان: زوج وزوجة عاريان على الخشبة… والحقيقة “بتقتُل”!

رنا اسطيح – الجمهورية

تحت عنوان “زوج وزوجة عاريان على الخشبة… والحقيقة “بتقتُل”!” كتبت رنا اسطيح في صحيفة “الجمهورية”: مرة جديدة تضطلع خشبة المسرح بالدور الأهم الذي تستطيع أن تؤدّيه من دون أن ينافسها عليه أيّ شكل من أشكال الفنون الأخرى: إنها تعرية الحقيقة تعرية تامّة وصادقة وكاملة، وتوليد إحساس بالصدمة قادر على إيقاظ الوعي واستفزاز الأسئلة النائمة. هذا ما ينطبق بشكل تام على مسرحية جو قديح الجديدة على خشبة الجميزة “بتقتُل”، حيث يتمّ تشريح علاقة المرأة والرجل تشريحاً دقيقاً وعميقاً، يدخلنا إلى الزوايا المعتِمة في حياة الثنائي، ضمن إطار بوليسي سيكولوجي مشوّق لا تغيب عنه الكوميديا والطرافة.بِنصّ سَهل مطعّم بجرعات كوميدية خفيفة، ترسم مسرحية “بتقتُل” لـ جو قديح على خشبة “الجميزة” خطاً خاصاً يأخذ الجمهور في رحلة مشوّقة إلى عالم ثنائي مميّز: ليلى وفريد متزوّجان منذ أكثر من 15 عاماً، تمرّ علاقتهما بمفترق مفاجىء يضعهما أمام حاجة طارئة لإعادة تقييم علاقتهما وما يحكمها من تناقضات وقوى جذب ونفور.


الكاتب المثقّف الذي يؤدّي دوره طلال الجردي (فريد) يتعرّض لحادثة يفقد على أثرها الذاكرة ويحاول إعادة رسم خيوط العلاقة التي تجمعه ببرناديت حديب، زوجته المفترَضة والمرأة الفاتنة (ليلى) التي تشاركه حياته وتشكّلها على وقع رسماتها وبألوان شخصيّتها المتقلّبة.

هل هذه فعلاً زوجته؟ ما حقيقة الحادثة التي تعرّض لها؟ لماذا فقد الوعي وكيف يعيد تشكيل قصاصات الذاكرة ليعيد معها رسم خطوط حياته وتفاصيل شخصيّته وشخصيّتها في آن؟ من هي هذه المرأة التي تحرّك بيدها خيوط العلاقة كما لو أنها تتلاعب بدمية متحرّكة؟

وكيف تصنع من الخيوط في يدها شبكةً عنكبوتية تطول وتتمدّد لتُطبق على الفريسة أو تمسكها… هذه بعض من الأسئلة التي تطرحها المسرحية ضمن سياق حبكتها المتصاعدة والمتشعّبة في آن، حيث يتبادل الزوجان دور الجلّاد والضحيّة بشكل متكرّر طوال ساعة وربع الساعة من مدّة العرض، إلى أن تختلّ موازين القوى وتبرز في النهاية معادلة أخرى مختلفة تماماً وربما غير متوقعة، فيقف الزوجان بعد المصارحة التامّة أمام حقيقتهما العارية، ليكتشفا سوياً ونكتشف معهما أنّ ما يجمعهما كحبيبين هو أبعد وأعمق ممّا يقولانه لبعضهما وحتى من الأفعال التي يرتكبانها بحق الشريك الآخر.

إنها مغامرة مشوّقة للبحث عن أجوبة لهذه العلاقة المتقلّبة: ما الذي يبقيهما سوياً بعد كل هذه السنوات من الزواج؟ ليعرفا الجواب: كان عليهما أن يكتشفا المجرم الحقيقي الذي يفتك بأيّ علاقة حب، لنتوصّل معهما إلى خلاصة جديدة هي أنّ العلاقة نفسها بين المرأة والرجل مسرحية بحدّ ذاتها، لها قوعدها وشروطها ولكنّ التمثيل فيها وقود خام يبقيها مشتعلها بقدر ما يحرقها، وكأنّ المسرحية تقول: الحقيقة مطلوبة ولكن احذروها لأنها أحياناً وبكل بساطة “بتقتُل”!


هذا اللعب البهلواني الرائع يضعنا أمام مسرحية داخل مسرحية، ويجعل الخشبة تدور في حلقات متكاملة ومدوّخة بين بدايات ونهايات متداخلة، ولكنه يصنع أيضاً عالماً من الجمال والسحر يجعل الجمهور محبوس الأنفاس امام أحداث متلاحقة تزيل الأقنعة واحداً تلو الآخر عن وجهي الزوجين، إلى أن يقف كل منهما عارياً إلّا من حقيقته البدائية الأولى، فيعودان إلى الزمن الأوّل ولحظة الصفر التي تنبعث منها العلاقة من جديد وبالتحديد من حيث كانت قد دُفنت.

“بتقتُل”، التي تستند إلى رواية الكاتب إريك امانويل شميت «جرائم صغيرة»، هي مغامرة مسرحية جديدة يخوضها جو قديح ببراعة نصاً وإخراجاً، وذلك مع بطلين استثنائيين: برناديت حديب وطلال الجردي اللذين يستحقان التصفيق لهما وقوفاً!