هذا هو البديل عن الضرائب!

لم يتفاجأ اللبنانيون كثيرًا عندما بلغ إلى مسامعهم ما تخطط له الحكومة لجهة الزيادة الهائلة في نسبة الضرائب التي تلحظها الموازنة الجديدة، بعد 12 سنة من غياب الموازنات، وهو أمر لم يستطع الخبراء الماليون والإقتصاديون في البنك الدولي فهمه، إذ أنه من المستحيل إنتظام العمل المؤسساتي في غياب الموازنات العامة في أي بلد، حتى أن الشركات الخاصة التي لا تعتمد على موازنات سنوية ترشيدية يكون مصيرها الإفلاس.
أمّا أن تأتي الموازنة الموعودة على غرار “تمخّض الجبل…” بعد طول إنتظار، وهي مثقلة بسلسلة إقتراحات ضريبية، من دون سياسة واضحة المعالم عن كيفية ترشيق الإدارات الرسمية وتفعيل عملها ووقف مزراب الهدر وضرب الفساد المستشري فيها، فهو أمر لم تهضمه كثيرًا الفعاليات الإقتصادية والمصرفية والعمالية، حتى الأحزاب الممثلة في الحكومة أعلنت رفضها تحميل المواطن أعباء عجز أركان الدولة في تحمّل مسؤولياتهم.

قد تكون مالية الدولة في حاجة إلى فرض بعض الضرائب، كما هي الحال في كل بلدان العالم، ولكن هذه الضرائب، إن لم يصاحبها إصلاح مالي وإقتصادي، ستزيد من تفاقم الوضع وستفضي إلى نتائج سلبية معكوسة، خصوصًا في ظل إنعدام سياسة مالية واضحة، وفي ظل تفشّي البطالة وتقّلص فرص العمل وتحفيز الإستثمارات، الخارجي منها والداخلي.

وبدلًا من اللجوء إلى فرض ضرائب على الطبقتين المتوسطة والفقيرة، وهما الطبقتان الأكثر حاجة إلى رعاية من الدولة لكي تعود الدورة الإقتصادية إلى مجراها الطبيعي، كان من المفترض أن يفتش القيمون على الميزانية العامة عن الوسائل الناجعة لوقف الهدر ووضع حدّ للفساد، وهو الدور المنوط بالوزارة المستحدثة لهذه الغاية.

ولكي لا يبقى الكلام مجرد توصيف للواقع، وهو كلام يقوله المسؤول قبل المواطن، الذي يردد مع السيدة فيروز “جينا لحلال القصص تيحلّ قصتنا لقينا قصته يا ما احلى قصتنا”، ندخل في بعض التفاصيل، بدءًا بموضوع الكهرباء، إذ لا ضير في إن تلجأ الدولة إلى رفع نسبة سعر الكيلواط الواحد 400 في المئة إذا كان التيار الكهربائي سيؤمّن 24 ساعة على 24، وإذا كان تيار الدولة سيكون البديل عن تيار الموتورات، وإذا كانت الجبايات ستشمل كل المناطق اللبنانية بالتساوي بالعدل والقسطاس، فلا تعود الجباية محصورة في مناطق دون سواها.

ومن بين الأمثلة ايضًا عن تحسين وضعية خزانة الدولة وقف إدخال البضائع والسلع المستوردة من الخارج عبر المرافق العامة من دون إخضاعها للرسوم الجمركية الرسمية، فضلًا عن وقف التهريب غير الشرعي وحماية الإنتاج اللبناني وتشجيع الصناعات اللبنانية في المجال التنافسي.

وقد يكون في الإعادة بعضٌ من إفادة، خصوصًا إذا أعيد إحياء مشروع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في زيادة عامل الإستثمار في ما سمي في حينه بـ”طابق المر”، إضافة إلى موضوع الأملاك البحرية في ضوء “الكتاب الأبيض الذي تقدم به الرئيس ميقاتي أيضًا يوم كان وزيرًا للإشغال العامة، وهو موجود في أدراج مجلس النواب.

ومن بين القضايا الكثيرة التي يمكن الدولة أن تلجأ إليها كبديل عن الضرائب المباشرة، والتي لا تصيب سوى الطبقات العاملة، وقف الهدر في المباني الحكومية والرسمية التي تستأجرها، وهي تقدر بالمليارات، إضافة إلى تنظيم مختلف القطاعات الإنتاجية، والتي تدّر على الخزينة المليارت بما يمكّنها من خفض نسبة العجز وإعادة التوازن إلى ميزان المدفوعات، مع ما تفرضه من إقرار سياسة ترشيقية للإدارات العامة ووقف مزارب الإنتفاع العام من غير وجه حق.

ففي حال ترافق أي مشروع ضريبي جديد مع مشروع إصلاحي شامل وزيادة التقديمات الإجتماعية في مرفقي التربية والصحة وتجويد خدماتها لا تعود مسألة الزيادة الضرورية والمدروسة للضرائب تشكّل مشكلة لأحد. أما أن تُفرض ضرائب عشوائية فهو أمر لن يمّر بهذه السهولة التي يتوقعها البعض، خصوصًا أن الحدّ الأدنى للإجور لم يعد يكفي لتأمين الحدّ الأدنى من الضروري لمستلزمات العيش بكرامة.

اندريه قصاص- lebanon 24