الرئيسية » اقتصاد » لا تصدّقوا الإشاعات… الليرة بخير ولكن الإقتصاد متعثّر!

لا تصدّقوا الإشاعات… الليرة بخير ولكن الإقتصاد متعثّر!

ربيكا سليمان – لبنان 24

“هل ستنهار الليرة اللبنانية؟” سؤال بات يشكّل القلق الأكبر عند اللبنانيين راهناً إثر تداول كلام يقول إن العملة في طريقها إلى الهاوية، وقد زاد الطين بلّة التصريحات الصادرة عن بعثة من البنك الدولي، وفيها حثّ للبنان على تصحيح أوضاعه الماليّة. فهل ليرتنا فعلاً في خطر؟ وهل على اللبنانيين أن يتخلّوا عنها مقابل العملة الخضراء؟

يأبى البروفيسور في علم الاقتصاد والأستاذ في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة أن يجيب عن هذا السؤال قبل أن يشرح بعض الأمور الأساسية، والتي برأيه تغيب عن كثيرين، عمداً أو سهواً، لتأتي خلاصاتهم وتوقعاتهم مقلقة ومخيّبة للآمال.

في حديث لـ “لبنان 24″، يشدد على ضرورة التمييز بين السياسة النقدية والسياسة المالية. الأولى هي من صلاحيات المصرف المركزي الذي يتمتع باستقلالية تامة، أي أنّ السلطة السياسية لا تتدخل في رسمها إطلاقاً. ويضيف:”السياسة النقدية يحدد أهدافها المصرف المركزي ضمن إطار مهامه المنصوص عليها في قانون مؤسس له، ومن أهمّ بنوده المحافظة على قيمة العملة الوطنية”. أما السياسة المالية فهي تلك التي تضطلع بها الحكومة، وهي تشمل كيفية ترشيد الانفاق والايرادات.

برأي عجاقة، قام حاكم مصرف لبنان بدوره كاملاً في المحافظة على قيمة الليرة اللبنانية رغم كلّ الأزمات التي عصفت بلبنان بمختلف أنواعها ومستوياتها. يُعلّق مستغرباً:”عندما ينجح مصرف لبنان في إنقاذ العملة والحفاظ على قيمتها طوال كلّ تلك السنوات بأزماتها ومطباتها، فالى ماذا يستند المتخوّفون اليوم؟! ماذا استجدّ للتخوّف أكثر من اللازم؟”.

يعتبر عجاقة أنّ الشائعات التي تطال وضع الليرة اليوم، يُطلقها ويسوّقها أكثر من فريق مختلف. ثمة من له حسابات سياسية، وثمة من يدعو إلى تحرير العملة، وثمة من يريد ضرب عهد رئيس الجمهورية، وثمة من لا يتناغم مع الخطّ الرأسماليّ في الاقتصاد.

والحال أنّ المواطنين يتأثرون سلباً بالمواقف الصادرة من هنا وهناك، لا سيّما وأنّ كثيرين غير مطلعين على “تفاصيل” تلك السياستين والفوارق بينهما. بالمختصر المفيد، يؤكد عجاقة أنّ “المشكلة في لبنان ليست مشكلة سياسة نقدية، إنما مشكلة سياسة مالية وخطة اقتصادية غير موجودة”.

الثروة الوطنية

يدخل في التفاصيل العلمية والواقعية شارحاً:” في علم الاقتصاد، يُقال إن العملة تعكس الثروة الوطنية. هذه قاعدة علمية. والحال أننا في لبنان نعاني من عجز كبير بلغ بين عام 2004 و 2016، 40.7 مليار دولار (تراكمي)، ما يؤشر صراحة إلى خلل كبير في السياسة المالية”.

واستناداً إلى القاعدة العلمية، يُفترض أن تعكس عملتنا العجز الغارق فيه لبنان، وبالتالي فلا بدّ لها من أن تفقد قيمتها. لكنّ هذا الأمر لم يحصل.

كيف؟

“هل هي عصا سحرية يحملها حاكم مصرف لبنان خوّلته أن يبقي على قيمة الليرة رغم كلّ العواصف”، يسأل عجاقة، ويسارع إلى الإجابة: “الحقيقة أنّ حاكم مصرف لبنان لجأ إلى هندسات مالية أنقذت ولا تزال عملتنا من السقوط المدوّي”.

بحسب عجاقة، اعتمد مصرف لبنان سياسة الثبات النقدي من خلال أمرين:

الأول: ثبات سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار.

ثانياً: ثبات أسعار الفوائد.

“وقد حافظ على القيمتين منخفضتين وثابتتين”، يشرح.

لكن ما هي تلك الهندسة المالية التي قام بها حاكم مصرف لبنان، وما هو ردّ عجاقة على الذين يعتبرون انّ هذه السياسة كلّفت الدولة اللبنانية تكاليف باهظة؟

يشرح:”يستورد لبنان كل عام ما يوازي 17 مليار دولار قيمة بضائع من الخارج، ويُصدّر في المقابل 2.9 مليار دولار، والنتيجة واضحة: عجز في الميزان التجاريّ بقيمة 14 مليار دولار!

هذا العجز الناتج من ضعف الهيكلية الاقتصادية، يؤثر سلباً على الليرة اللبنانية بطبيعة الحال.

يتابع عجاقة:”في عام 2015 وصل العجز في ميزان المدفوعات الى 3 مليار و350 مليون دولار، لذلك كان لا بدّ من إجراء استثنائيّ فعّال يحمي العملة الوطنية، وهذا ما فعله الحاكم رياض سلامة بين أيار وآب من عام 2016″.

وتمثلت الهندسة المالية التي اتبعها مصرف لبنان بثلاث عمليات مالية قام بها مع المصارف التجارية:

العملية الأولى: وهي عبارة عن تبادل لسندات خزينة بالليرة اللبنانية كان يمتلكها مصرف لبنان مع المصارف التجارية (بلغت قيمة هذه السندات ما يوازي 2 مليار دولار أميركي) مقابل سندات خزينة بالعملة الأجنبية (يوروبوند) كانت تمتلكها المصارف في محفظتها الإستثمارية (بقيمة 2 مليار دولار أميركي).

العملية الثانية: وهي عبارة عن بيع سندات اليوروبوند التي إستحصل عليها مصرف لبنان إلى المصارف التجارية كما وشهدات إيداع بالدولار الأميركي، حيث بلغت القيمة الإجمالية للإصدارات 12.5 مليار دولار أميركي على فترة وسطية 8.74 سنة وفائدة وسطية 6.5% أي ما يوازي 816 مليون دولار أميركي.

الجدير بالذكر أن فوائد شهدات الإيداع التي أصدرها مصرف لبنان تمّت بنفس شروط الفائدة التي أصدرت على أساسها وزارة المال سندات خزينة بالدولار الأميركي (7 سنين 6.4% في فترة أذار 2017).

الإصدارات بالليرة اللبنانية بلغت قيمتها 14000 مليار ليرة بكلفة 750 مليون دولار سنويًا لفترة وسطية 19.5 سنة وفائدة وسطية 7.8% (في حين أن إصدارات الدولة على 10 سنوات تتمّ على فائدة 7.46%!)

العملية الثالثة: وهي عبارة عن دفع الفوائد على إصدارات الليرة اللبنانية إلى المصارف التجارية مع إحتفاظ مصرف لبنان بنصف هذه الفوائد بحسب الإتفاق الذي تمّ مع المصارف.

يُردف عجاقة:”مع نهاية العام 2016، وصلنا إلى فائض بقيمة 1.12 مليار دولار في ميزان المدفوعات ما يعني أنّ هدف الهندسة المالية قد نجح.

ويؤكد عجاقة أنّ من يطلع جيداً وعلمياً على تفاصيل الهندسة النقدية تلك، سيدرك فوراً أنها لم تُكبّد الدولة اللبنانية دولاراً واحداً”، مشيراً إلى أنّ كلفتها على مصرف لبنان بلغت مليار دولار وهو قادرٌ على تسديدها من عائدات محفظته الاستثمارية التي تبلغ قيمتها ما يوازي 36 مليار دولار.

حاكم مصرف لبنان أنقذ الليرة

في الخلاصة، يؤكد عجاقة أنّ السياسة التي اتبعها حاكم مصرف لبنان أنقذت الليرة، وأثبتت نجاحها. بل أكثر، فهي لم تكبد الخزينة اللبنانية أي تكاليف تُرهق كاهلها أكثر مما هي حالها.

بيد أنه في الوقت نفسه يُقرّ بأن الهندسات النقدية اشبه بعملية جراحية يجريها الطبيب لمريض. والحال أنّ المرض مردّه اهتراء في السياسة المالية والهيكلية الاقتصادية في لبنان.

وعليه، يعترف بأن “عدد المرات التي يمكن أن نقوم بها بهندسات مالية، محدود. لذلك، لا بدّ من أن تغيّر الحكومة في سياستها المالية، فتوقف الانفاق. والحال أنّ البنك الدولي راضٍ عن سياسة مصرف لبنان النقدية، لكنه يبدي استياء من السياسة المالية، وهذا بالتحديد جوهر موقفه الداعي إلى حثّ الحكومة على تخفيف العجز في الموازنة”.

وعليه، يبدو عجاقة أكثر من مطمئن على وضع الليرة، سيّما وأنّ صندوق النقد الدولي يتوّقع ارتفاعاً في تحويلات المغتربين إلى 7.9 مليار دولار، (وهي برأي عجاقة قد تفوق الـ 8 مليار دولار)، وهذا ما يُشكّل دعماً كبيراً للعملة”.

أما عن التحليلات والشائعات التي تمسّ بسمعة العملة الوطنية فهي بمثابة جريمة في حقها وفي حق الشعب اللبناني، لافتاً إلى أنّ القانون اللبناني يعاقب كلّ متوّرط في هذا الأمر.