موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

حزب الله نسخة 2018

36

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

بالتأكيد، دأب الفائزون في الانتخابات طوال التاريخ اللبناني، الجديد والقديم، أن يغالوا بأحجامهم، كبيرةً كانت أم متوسّطة، بحيث كانت المغالاة تنسحب على وضع شروط التأليف وتحديد الجهات التي يجب ان تتمثّل داخل الحكومة وصولاً لحد رمي الاحكام على هذا الحجم أو ذاك. وللمفارقة، كان أيضاً بعض أصحاب الاحجام الناعمة واولئك ذوي الاحجام المنفوخة، يغالون أيضاً. سمة الجمع اذاً هي التصرّف من مبدأ المنتصر الذي له الحق بالفرض وعلى الآخرين السمع والطاع.

يحاول حزب الله مخالفة المعهود بحيث يرفض فكرة ممارسة “الفجع السياسي” رغم أنه وفريقه يصنّفان على أنهما الرابحان الاساسيان من الانتخابات. لا يريد الحزب أن يُمارس دور المنتصر بمعناه المعروف، أي ممارسة الاستعلاء على شركائه، الذي يعرف بشؤون الضاحية يعلم أن حزب الله ليسَ من النوع الذي يتبع هذه السياسات.

تضج منذ فترة أروقة قياديّة في حزب الله بتطوّر طرأ عليه، فنزع عن جسده ثوبه السابق ما مهد لنقلة نوعيّة هي الاكبر في تاريخه بخاصة على مستوى التفكير السياسي، حيث بات يعتمد اليوم صيغة منقّحة عن المعهود السابق، أصبح الأمين العام يولي هذا الملف درجات عالية من المتابعة، ما انعكس اهتماماً لدى تلك الاروقة، وصار لزاماً عليها زيادة نشاطها اليومي.

فيما راحت الأحزاب الرئيسيّة التي تصنّف أو صنّفت نفسها فائزة، تجري تقويماً للنتائج وترتّب كتلها النيابيّة مع الحلفاء وفق ما جنته أيديها في الأحد الكبير، كان حزب الله يتفرّغ لتقدير الموقف السياسي المستجد والمردود على الوضع السياسي العام، ويبني على قراءة سياسيّة مستجدّة لدوره في قسمة السلطة، ما له وما عليه.

التقدير عند الحزب لا يرتبط بأمور سياسيّة محدّدة، بل يأتي على شكل متنوّع يشمل كل النواحي السياسيّة، من مجلس النوّاب إلى الحكومة وما بينهما العمل عند القواعد الشعبيّة التي ما غادرها يوماً، لكن مطلوب منه بضوء ما سمعه خلال مرحلة الحملات الانتخابيّة، أن يعزّز دوره ويصحّح بعد الهفوات.

الأعم الاغلب الذي يُسمع في الاروقة الداخليّة، أن حزب الله سيتعاطى مع الملفات كل بحسب ما هو، أي وفق قاعدة “لكل قائم مقام” بحيث تختلف مقاربته لملف سياسي عن ملف سياسي آخر، وسيأخذ بعين الاعتبار نظرته الخاصة لهذا الملف ثم ما لهُ من انعكاس على الوضع السياسي الشعبي ومن ثم العام، ليخرج بالنتيجة في تقدير موقف واحد، قد يتطابق ومواقف الحلفاء وقد لا يتطابق.

واستناداً على ذلك، قد تجد حزب الله يتماهى في مجلس النوّاب مع مواقف أو طروحات أو اقتراحات خصومه المفترضين، وقد تلاحظه يدعم اقتراح تقدمَ به خصم، أو يقدم له موقفاً داعماً، وقد تجده يعارض خيار يسعى خلفه حليف.. وهكذا.

وكإثبات لهذه النظريّة، يمكن الركون إلى ملفّات الساعة، فالحزب اليوم يتعاطى بواقعيّة في ثلاثة استحقاقات.

استحقاق تكليف رئيس لمجلس الوزراء، حيث وعلى لسان نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، رهن الموقف بالمرحلة المقبلة، وطبعه على نتائج الانتخابات النيابيّة، هل تؤهّل الشخصيّة لشغول هذا الموقع أم لا تؤهّل. وتأسيساً، سيبني الحزب موقفه في مشاورات التكليف المرتقبة على عوامل أبرزها هويّة الشخصيّة وما حصدته خلال الانتخابات.

استحقاق انتخاب رئيس ونائب لرئيس مجلس النوّاب قسمه الحزب إلى شقين. الأول أهّلَ الرئيس نبيه برّي لولاية جديدة، وهو أمر بديهي، أمّا الثاني تقول أوساط قريبة من حزب الله، أنه مرهون أولاً بموقف الرئيس برّي تجاه صاحب الأولويّة بالترشح ثم التسمية، وثانياً بالأسماء التي ستُطرح لشغول الموقع.

استحقاق تشكيل الحكومة، وترى الضاحية أن التمثيل فيها يجب أن يرعى توازن وتمثيل كل جهة في البرلمان، ثم يأخذ بعين الاعتبار نتائج الانتخابات وما ترتب عنها من وضع سياسي راهن، ثم التسريع بالتأليف الذي أشار اليه السيّد نصرالله في خطابه الأخير، والاهم من هذا كله أن حزب الله يتعاطى مع ملف تشكيل الحكومة بالنسبة إلى حلفاءه، في الذهنية التي تعاطى فيها معهم إبان الانتخابات، أي السعي إلى تمثيل الممثل منهم في البرلمان.

أمّا التعديل الأهم الذي طرأ على مستوى مقاربة حزب الله للمواضيع السياسيّة الراهنة، هو دفنه للأعراف السابقة التي كان ترعى حصّته في الحكومة، إذ أن حزب الله 2018 من حيث التمثيل الوزاري، يختلف عن حزب الله 2009 و 2005 و 1992.

وبما خص العلاقات مع الكتل يُسمع صدى التغيرات التي طرأت على جسم الحزب داخل نفس الاروقة، ويتردّد أن الحزب سيتعاطى بذهنيّة “القطعة” مع بعض الجهات، أي موقف لكل موقف وفق كل حالة بحالتها، وهذا ينطبق على الحلفاء بخاصة الذين تربطه معهم اتفاقات مسبقة.

الذي أوصلَ حزب الله لاستتباع هذه القاعدة وتعميمها على حياته السياسيّة، هو الأسلوب الذي تعاطى به البعض معه وتسبب له بندوب وطعنات لم يكن ليتوقعها، وأثّر على البيئة الشعبيّة على نحوٍ أزعجها وبعّدَ المسافات رغم كل ما قُدّم.

ولا ضير أو خفاء إن ذكرنا كيف أن مسؤولاً على مستوى في حزب الله نقل عنه أننا “لن نسامح على ما أحاط مسألة طرح أحد مسؤولينا مرشحاً في دائرة” ولهذا الكلام مدلولات إضافية حول تحرّر الحزب من قيود سياسيّة حكمته في السابق.

هذا المستوى قد فتح بابه السيّد حسن نصرالله الذي صارح جمهوره بإحدى خطاباته، من أنه سيحافظ على حلفاءه قبل الانتخابات “.. حلفاؤنا ثابتون” ولكنْ بعد الانتخابات سيكون لنا تواصُل جديد مع قوى وشخصيّات أخرى.

فنصرالله بذلك يؤشّر إلى خطوات انفتاحيّه سيباشر بها الحزب عمليّاً، أساسها أنه لن يبقى حاصراً نفسه عند حلفاء محدّدين في بالهم أخذ الحزب بالمفرّق لأنه بحاجة اليهم في صون سلاحه، بل على العكس، أضحى الحزب اليوم، وانسجاماً مع الأرقام التي جمّعها مع حلفاءه التقليديون، يصون هذا السلاح دون أن يمننه أحد.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

قد يعجبك ايضا