جريمة عشقوت: “القصة ليست قصة كلب”!

آخر تحديث : الجمعة 14 أكتوبر 2016 - 6:36 مساءً
2016 10 14
2016 10 14
جريمة عشقوت: “القصة ليست قصة كلب”!

جريمة جديدة بشعة، تهزّ الرأي العام اللبناني وتوقظ المخاوف. مؤهلٌ في الأمن العام يُفرغ عشرات الرصاصات الحانقة، فتُسلب حيوات أربعة اشخاص بلحظات. الأب الأم والابن (جان يوسف، ايزابيل وجان بول حب الله) وأحد الجيران (أنطوان الشدياق) سقطوا مضرجين بالدماء، والسبب بحسب ما راح يتدوال منذ أمس في الإعلام نقلاً عن أبناء المنطقة: كلب!

منفذ جريمة “جريمة عشقوت” طوني عبود موقوف لدى القوى الأمنية التي أصدرت بلاغاً شرحت فيه بعض حيثيات الحادثة وخلفياتها، فأشارت الى وجود “مشاكل سابقة تتعلق بازعاج على اثر اقتناء كلاب ورمي بقايا خضار على سيارة (الجاني) وأمام شقته حسب افادته الاولية في فصلية ريفون”. وذُكر ايضاً بأن “عبود تقدم بتاريخ 8 تشرين الثاني بشكوى ضد مجهول بجرم رش مبيدات سامة في منزله وسرقة مبلغ 2000 دولار أميركي، وبأنه عاد وحضر الى المخفر بعد أيام ليصرّح عن وجود بقع على محرك سيارته، معلناً اشتباهه بـجان بول حب لله ووالدته ايزابيل”.

اقرأ أيضا...

البلدة الكسروانية التي شهدت هذه “المجزرة” لا تزال تحت وقع الصدمة. حالها حال معظم اللبنانيين الذين ما انفكوا يرددون سؤالاً واحداً:” كيف لشخص أن يقتل آخرين بسبب كلب؟”!

يتحسس الاختصاصي في علم النفس وعلم النفس الاجرامي د. مارسيل عبدالله وقع الصدمة التي يشعر بها المواطنون، مدركاً أنه من الصعوبة عليهم استيعاب ما حصل! كيف يمكن أن يستبب كلب بإزهاق أرواح الأشخاص؟

في حديثه لـ”لبنان 24″، وانطلاقاً من قراءة علمية تلحظ معطيات الجريمة المتوفرة حتى الساعة، يشرح كيف يمكن مثل هذه الجرائم أن تحصل. ينطلق مستذكراً جريمة حصلت في منطقة قريبة جداً من عشقوت، وتحديداً في بلونة، منذ 12 عاماً. كان عيد رأس السنة حين قُتل ثلاثة أخوة وجرح 12 شخصاً، بسبب “طبشة باب سيارة”، كما تردد آنذاك. راح المجرم يلاحق اقارب الضحايا لقتلهم. كانت مجرزة حقيقية. السؤال ذاته طُرح في ذلك الوقت:”هل يستأهل هذا السبب حصد كلّ تلك الأرواح وإسالة الدماء”؟

يقول د. عبدالله:” يواجه الشخص أحياناً مشاكل مختلفة، تُشعره بأنه مُعتدى عليه أو بأنه في دائرة الخطر”.

إزعاج، مضايقات من الجيران، عواء كلاب…أو اي عامل آخر قد يُنظر اليه على انه “تافه وسخيف”، من شأنه أن يؤدي الى أعمال عنفية او جرمية. نعم، هذه حقيقة علمية.

يكمل د. عبدالله شارحاً: “عادة، يحاول الشخص الذي يتعرض لمشاكل متكررة معالجتها بطرق شتّى. قد يخانق، يغضب، يحاول التفاهم مع من يسبب له الازعاج…لكن للأسف، نادراً ما يُصار الى ايجاد حلول جذرية للمشكلة التي تبقى عالقة وتتأزم مع مرور الوقت. تغدو هذه العوامل (التافهة) محفزة للغضب. توقظه. تشعله…حتى انها توصل الشخص الى ان يصبح ذا نزعة وسواسية تجاه مصدر الازعاج، ولا يقوى على ضبط غضبه”.

يضيف:”غالباً ما نلاحظ أن هؤلاء الأشخاص يلجأون الى القوى الأمنية مشتكين، على أمل ايقاف هذا الازعاج بقوة القانون. للأسف، لا يتمّ التعامل مع مثل هذه الشكاوى في لبنان بطريقة جديّة، بل تُحلّ على طريقة “أبو ملحم”.

أمام هذا الواقع، يصبح الشخص فريسة غضب تملكه. يصبح قطعة منه. من ذاته. يتحكم بإدراكه، بانفعالاته، بتصرفاته. يفقد الشخص القدرة على إدارة هذا الغضب. وحينما يتواجه مع أي حادث او يمرّ بأي ظرف على علاقة بمحفزّ غضبه، يدخل هذا الشخص في ثورة غضب يصعب ضبطها، فيُخرج كلّ الكبت المتراكم.

ويشير د. عبدالله الى أنه “في حال شعر الشخص بأنه مهدد أو بأنه بحاجة الى ردع الخصم، قد يلجأ الى استخدام السلاح. يعتقد كثيرون أن الشخص الذي يقدم على استخدام السلاح للمرة الأولى فيقتل أو يجرح شخصاً، يصاب في لحظتها بصدمة أمام هول ما اقترفته يداه، فيتراجع ويتوقف. هذا الأمر غير صحيح. لقد بيّنت الدراسات أنه كلما كان الوقت ضيّقاً، كلما استمرّ الجاني في القتل. يصبح من السهولة على هذا الشخص الذي دخل في ثورة غضب المضي في اراقة الدماء، فيعمد الى قتل كلّ من يمرّ امامه. وهذا تحديداً ما فعله الجاني في جريمة عشقوت، وقبله في بلونة، لذلك من المفضل في مثل هذه الحالات ألا يقترب أحد من المقترف”.

ولذلك ايضاً، يُلاحظ أن هؤلاء الأشخاص يعمدون بعد وقت قصير إما الى تسليم أنفسهم الى الاجهزة الامنية، أو لا يقاومون عملية توقيفهم.

ولكن هل “يُترجم” جميع الأشخاص تراكم الضغوطات اليومية والمشاكل التي يتعرضون لها بأفعال عنفية وجرائم، أم أن لدى البعض “أرضية” نفسية تعزز احتمال التحوّل الى العدائية؟

يجيب د. عبدالله”: تحتلف طبعاً الاستعدادات الوراثية والنفسية بين شخص وآخر، ولكن نعم، قد يؤدي هذا النوع من المشاكل الى توريط اشخاص “مسالمين وعاديين” في ارتكاب جرائم أو تصرفات عدائية”.

ويشرح د. عبدالله أنه حين يواجه الانسان أي نوع من الخطر، فإنه سيتوّسل واحدة من هذه السلوكيات: الهجوم، أو الهروب، أو الاستسلام ( وقد تشمل عدم القيام بأي ردّ فعل).

وعلى صعيد المجتمع اللبناني ككلّ، لا يرى د. عبدالله أي مبرر لدق ناقوس الخطر المتعلق بتفاقم الجريمة وانتشارها: “معدل الجريمة في لبنان لم يتخطّ الحدود مقارنة مع دول أخرى، على رغم كلّ العوامل السلبية المنتشرة. فالشعب اللبناني في أغلبيته بات عدائياً بسبب الحرب التي عاشها، وسيطرة القلق العميق على يومياته. الجميع أمام خوف من المستقبل. الجميع يعيش في حال عدم أمان واستقرار. هذا الغضب المجتمعي قد يترجمه الافراد بارتكاب الجرائم أو المخالفات القانونية، أو قد يُكبت فيدمر الأشخاص ذاتياً ويصابون بأوجاع وأمراض.”

يذكر د. عبدالله بدراسة أجريت في لبنان منذ أكثر من 15 سنة، بيّنت أن الشباب اللبناني فاقدٌ الامل بالمستقبل. يقول: “حينما يُفقد الأمل بالغد، يصبح اليوم مباحاً، وهذه من أهمّ العوامل التي دفعت ولا تزال كثيرين الى تعاطي المخدرات”.

هذه الجريمة (الادمان على المخدرات وتعاطيها وانتشارها)، تستحق دقّ ناقوس الخطر، بحسب د. عبدالله :”الوضع مخيف. لقد وصلت المخدرات الى المدارس. هذا الوضع فعلاً مخيف وخطير”.

المصدر: لبنان24