ما لم تلتقطه الكاميرا من مجلس النواب!

آخر تحديث : الثلاثاء 1 نوفمبر 2016 - 9:21 مساءً
2016 11 01
2016 11 01
ما لم تلتقطه الكاميرا من مجلس النواب!

لو كان بالمقدور، لكانت زُرعت كاميرا فوق رأس كلّ نائب ووزير حضر جلسة انتخاب الرئيس الثالث عشر للجمهورية. الحدث مادة دسمة، وُوصف بأنه “استثنائي وتاريخيّ”. “منّا قاعدين بالقاعة لحالنا، لبنان كلّو عم بشوفنا”، صرخ رئيس المجلس النيابي. لكن في عصر “الفيسبوك” و”التويتر” والنقل المباشر على الإنترنت، كان العالم كلّه يشاهد ويتابع ويرصد ويحلل.

رصدت الكاميرا مجريات جلسة الانتخاب، تارة بشكل بانوراميّ، وطوراً بالـ Zoom in الذي سلّط الضوء على بعض التفاصيل.

اقرأ أيضا...

التقطت الكاميرا مشهداً للبيك وهو يمارس حركته المعتادة (حكّ الرأس)، ضاحكاً في سرّه. بالجرم المشهود، رصدت الكاميرا مشط الوزير أنور الخليل، وكانت اللحظة تستحق أغنية ريمي بندلي “غسّل وجك يا قمر”. لم يقم السادة النوّاب بحركة الـ Duck face أثناء التقاطهم الـ Selfie، لكنّ بعض الوجوه استحالت رسوماً من تطبيق Snapchat. ” شو هالفوضى هاي كل واحد يقعد محلو”، يصرخ “الأستاذ” بالمشاغبين الذين أحدثوا ضجة تحت قبة البرلمان وما لزموا أماكنهم. صوت المطرقة يعيد الهدوء والنظام، لكنّه لم يُرعب “الأرانب” التي تجرأت على المشاركة في هذا العرض. كان متوقعاً اقتراع نوّاب حزب الكتائب بأوراق وفيّة للثوابت والقناعات والنضال (ثورة الأرز في خدمة لبنان)، لكن لم يخطر على بال أحد أن يُخرج أحدهم من قبعته Zorba the Greek! لم تتمكن الكاميرا بطبيعة الحال من “إلقاء القبض” على ناخبي “ميريام كلينك”، “جيلبرت زوين”، و”سيتريدا طوق”. ولم تفلح أيضاً بكشف هوية صاحب (أو صاحبي) “الظرف المزودج” على رغم المحاولات اللاحقة والتي لا تزال نتائجها حتى الساعة غير مؤكدة. أحدٌ لم يستطع الجزم بأن دولة الرئيس ميشال المرّ أسقط ظرفين (عن قصد أو عن طريق الخطأ)، وأحدٌ لا يمكنه التسليم بأن النائب علي بزي هو من ارتكب “التصويت الملغوم”!

الكاميرا التي لم تتمكن من التقاط حقيقة “المشاغبة” أو “الزعرنة” (على حدّ تعبير الوزير السابق وئام وهاب) التي شهدها مجلس النواب اللبناني، وثقت لحظة انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. “أحلف باسم الله العظيم”، ليصحح بري: “أحلف بالله العظيم”. ألقي خطاب القسم، وتحقق الحلم بعد 26 عاماً. مشى “الجنرال” على السجادة الحمراء، وأطلقت المدفعية 21 طلقة ترحيباً بفخامته. المشهد مؤثر، وعينا سيّد القصر تحبسان دموع الفرح والنصر والأمل. حتى ساعات الليل المتأخرة، ظلّت الكاميرا تنقل مشاهد الاحتفالات وتبادل الأنخاب. استعادت الجمهورية رأسها. مبارك وصول عون إلى سدّة الرئاسة الأولى، والجميع بانتظار التغيير والإصلاح وتحقيق الأحلام.

حلقة من مسلسل تراجيكوميدي

كلّ هذا رصدته الكاميرا، لكنها أغفلت عن تصوير مشاهد مستقاة من قصص حقيقية وواقعية. قصص مواطنين تابعوا أحداث الواحد والثلاثين من تشرين الأول على أنها حلقة من مسلسل تراجيكوميدي. ليس هؤلاء بالضرورة من المناهضين أو المؤيدين لوصول عون الى بعبدا. وليسوا ممن يسعدون بجمهورية مشلولة، بل منحورة. إنهم اشبه بالبوم، وهو طائر ينظر إليه الشعب اللبناني على انه “نقيق” ومصدر شؤم، لكنه رمز الحكمة بالنسبة إلى حضارات أخرى، ومنها حضارة مستر “زوربا”. إنهم يفتقرون إلى ذاكرة السمكة، تلك التي تنسى بلحظات كلّ ما سبق، وكأنه لم يكن. ليس الهدف طبعاً البقاء في الماضي، لكن القفز فوق أمراضه دون تشخيصها ومعالجتها وصفع مسبباتها بلقاح أبديّ، سوف يفقده المناعة.

لم يفرح هؤلاء أسوة بأغلبية الشعب اللبناني المحق في مكان ما، في سعادته ورقصه. لم يشعروا بنشوة الانتصار، بل راحوا يواسون المهزوم ويطيّبون من خاطره. والمهزوم هو الدستور الذي صار في الآونة الأخيرة، ممسحة. أن يُترك لبنان سنتين ونصف السنة في فراغ تمدد كالسرطان الى مختلف أنحاء جسده، لم يكن دستورياً. أن يمدد المجلس النيابي لنفسه مرتين، لم يكن دستورياً. ألا يتفضل النواب الى المجلس لانتخاب رئيس ما لم تكن هويته معروفة سلفاً، وما لم يكن فوزه مضموناً، ليس دستورياً. ألا يحاسب أي مسؤول عن إغراق الشعب اللبناني العظيم بالنفايات، وحقنه أحفاده بالأمراض، ليس قانويناً ولا دستورياً ولا منطقياً. ألا يُزجّ أي فاسد في السجون، ليس طبيعياً.

أن نعتبر انتخاب رئيس للجمهورية حدثاً استثنائياً وتاريخياً، هو الاستثناء بحدّ ذاته. أن نصف النائب سامي الجميّل “بالطفل” المشاكس في البرلمان لأنه طالب بستارة خلال عملية الاقتراع، أو لأنه لم يرتض تمزيق الدستور أكثر تحت قبة البرلمان، فهذا هو الحضيض…

ومع هذا، لا تسأل هذه الفئة من الشعب عن كاميرا توّثق هذه الحقائق. في القلب، أملٌ بغد أفضل، علّهم يستعيدون الثقة بالمسؤولين وشعاراتهم. أما أن يبقى الوضع على ما عليه، فحينذاك سوف يحملون بأنفسهم كاميرات تلتقط الشاردة والواردة…

المصدر: لبنان24