ثغرات أمنية في المطار..

آخر تحديث : الجمعة 11 نوفمبر 2016 - 10:28 صباحًا
2016 11 11
2016 11 11
ثغرات أمنية في المطار..

قرّر مجلس الوزراء أن يكون أمن المطار «حاجة ملحّة» تستحق تنفيذ خمسة تلزيمات من خلال آلية «استدراج العروض المحصور». وزارة الأشغال نسفت مفهوم «الحاجة الملحّة» وضروراتها الأمنية، عندما أجّلت عملية التلزيم لأكثر من خمسة أشهر، رغم جاهزية دفاتر الشروط، ثم «فخّخت» هذه الآلية بتسمية متعهدين مختارين، فضلاً عن إجراء تعديلات على دفاتر الشروط مخالفة لقرار مجلس الوزراء

اعتادت وزارة الأشغال «تعليب» الصفقات التي تلزّمها. وزير الأشغال غازي زعيتر ألغى نتائج مناقصة تلزيم أشغال المرحلة الأولى من مرفأ عدلون، وحوّلها إلى استدراج عروض محصور، رافضاً الانصياع لقرار قضائي صادر عن مجلس الشورى بوقف التنفيذ. ولم يكتف زعيتر بذلك، بل لزّم أيضاً المرحلة الثانية بالطريقة نفسها ليفوز المتعهد نفسه.

اقرأ أيضا...

السيناريو نفسه تكرّر في عملية تلزيم مواقف المطار. مجلس شورى الدولة أوقف التنفيذ، لكن وزير الأشغال لا يهمه قرارات القضاء. أما تلزيمات صيانة الطرق وتزفيتها وتعبيدها، فحدّث ولا حرج، إذ إن معظمها يتم من خلال استدراج العروض المحصور… هذه الآلية التي تتيح لوزير الأشغال تسمية متعهدين ينتقيهم بنفسه للمشاركة في المناقصات، تتيح أيضاً للمشاركين توزيع التلزيمات في ما بينهم أو الامتناع عن تقديم عروض لمرتين تمهيداً لتوقيع عقود بالتراضي، وهي الآلية نفسها التي اعتُمدت في تلزيمات ما يسمّى «أمن المطار» مع فرق بسيط هو أن الوزارة استمهلت أكثر من خمسة أشهر للإعلان عن المناقصات وتسمية عدد محدود من المتعهدين الذين امتنع معظمهم عن تقديم أي عرض، فضلاً عن إجراء تعديلات على دفتر الشروط والمواصفات الفنية بصورة مخالفة لقرار مجلس الوزراء… كل ذلك يمهّد لتوقيع اتفاق بالتراضي ربما يكون تحت عنوان «الأولولية والضرورة» أيضاً.

ثغَر أمنية

تعود قصّة التلزيمات في المطار إلى يوم كان فيه لبنان يتوقع أن تصل إليه هبة من السعودية بقيمة 3 مليارات دولار لتعزيز قدرات الجيش والقوى الأمنية. التلزيم تُرك لمشيئة الواهب السعودي الذي طلب من رئيس الحكومة تحديد الحاجات. وفي 4 كانون الأول 2014 كلّف رئيس الحكومة، تمام سلام، لجنة مشتركة لدراسة موضوع تنفيذ مشاريع رفع مستوى الحماية الأمنية في مطار بيروت الدولي وإعداد دفاتر الشروط اللازمة لتنفيذها. اللجنة ضمّت ممثلاً عن وزارة الداخلية، وممثلين عن وزارة الأشغال العامة، ورئيس جهاز أمن المطار وممثلاً عن مجلس الإنماء والإعمار. وعندما حدّدت الحاجات، أجرت اللجنة بالتنسيق مع الواهب، استدراج أسعار من الشركات العالمية المتخصصة في مجال أجهزة الحماية الأمنية للمطارات. المفاجأة تمثّلت في إلغاء أو تعليق الهبة السعودية، فقد أعيد خلط الأوراق، ولا سيما أن القرار السعودي تزامن مع انتقادات أوروبية لضعف الحماية الأمنية في مطار بيروت الدولي. «التقارير الصادرة عن البعثات الأمنية الأوروبية، التي زارت مطار بيروت للتأكد من مستوى الحماية فيه بغية السماح باستمرار رحلات شركات الطيران الأوروبية منه وإليه، تضمنت وجود بعض الثغر الأمنية والنقاط السلبية التي يجب سدّها ومعالجتها بالسرعة القصوى»، نقلاً عن إفادة وزارة الداخلية التي درسها مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 12/4/2016. أي أن هذه الثغر عمرها «المكتشف» يصل إلى عامين!

مصدر النهب: الخزينة طبعاً

إذاً، كيف تموَّل الحاجات الأمنية الملحّة للمطار؟ من الخزينة طبعاً! هذا الأمر يفترض تطبيق الأصول المنصوص عليها في قانون المحاسبة العمومية، أي إجراء صفقة عمومية. إلا أن القانون نفسه يتيح تطبيق بعض الاستثناءات في ما خصّ الصفقات الملحّة والضرورية، وخصوصاً تلك المتعلقة بالسلامة العامة والأمن. لكن الخلاف بين وزير الداخلية نهاد المشنوق ووزير الأشغال العامة غازي زعيتر احتدم في جلسة مجلس الوزراء التي درست هذا الملف. المشنوق كان يستعجل توقيع عقود مع الشركات التي اختيرت في استدراج العروض الذي أجرته اللجنة المشتركة. أما زعيتر فقد تمسّك بصلاحيات الوصاية على المطار وتلزيم صفقاته، مشيراً إلى إمكانية إجراء مناقصة محصورة عبر متعهدين يسميهم بقرار منه. تعدّدت «الغايات في نفس يعقوب»، وانعكست في قرار مجلس الوزراء الذي بدا إعادة توزيع للمغانم بين «الشباب». جاء القرار على النحو الآتي: «الموافقة على التقرير الفني للجنة المشتركة الذي حدّد الحاجيات المتعلقة برفع مستوى الحماية الأمنية في مطار بيروت الدولي… وتكليف وزارة الأشغال العامة والنقل القيام باستدراج عروض عبر إدارة المناقصات وفق دفتر الشروط الذي أعدّته اللجنة المذكورة، على أن يتم تقصير المهل حتى 15 يوماً، واعتبار ممثلي الوزارات والأجهزة التي شاركت في اللجنة، بالإضافة إلى ممثل عن إدارة الجمارك، أعضاء في لجنة فضّ العروض».

لم تمضِ أيام على هذا القرار، حتى تلقّت الأمانة العامة لمجلس الوزراء طلباً من وزارة الأشغال من أجل تقصير المهل حتى 5 أيام استناداً إلى المادة 128 من قانون المحاسبة العمومية، وطلبت أن يذكر دفتر الشروط أن التلزيم سيكون على أساس «الشروط والمواصفات الفنية الواردة في تقرير اللجنة المذكورة (المشتركة)»، فوافق مجلس الوزراء على طلب الوزارة في جلسته المنعقدة في 19/5/2016. بما أن دفتر الشروط جاهز، وبما أن هذه التلزيمات ذات طبيعة ملحّة وضرورية وهي مقسمة إلى 5 مجموعات، كان يفترض أن يبدأ التنفيذ خلال أيام… غير أن وزارة الأشغال «استنسبت» تأجيل إطلاق التلزيم لمدّة خمسة أشهر على الأقل! هذه الوزارة حصلت على تغطية من مجلس الوزراء بتنفيذ مناقصة محصورة وبخفض مهلة التبليغ إلى خمسة أيام، استناداً إلى الضرورة الملحّة، إلا أنها لم تسمّ أي متعهد للمشاركة في المناقصة إلا ابتداء من 5 تشرين الأول حتى 28 منه.

قانونياً، ما يقوم به زعيتر ينسف كل المفاهيم والمعايير المنصوص عليها في قانون المحاسبة العمومية. المادة 124 وما يليها حتى المادة 142 من هذا القانون تتحدّث عن الصفقات العمومية وأصول إجرائها، وتأتي المادة 143 لتشير إلى «المناقصة المحصورة» التي لا يمكن فتح باب المنافسة فيها أمام الجميع، ويليها «استدراج العروض» بشروطه الستة، ثم المادة 147 التي تشرح «الاتفاق بالتراضي».

إذاً، استدراج العروض ليس القاعدة بل الاستثناء. رغم هذا التدرّج في القانون وانسيابيته، إلا أن الوزارة تتجاهل تماماً مفهوم الأولوية والضرورة اللتين وضع من أجلهما استثناء «المناقصة المحصورة». تقول المادة 143 إنه «يمكن الإدارة، إذا كانت طبيعة اللوازم أو الأشغال أو الخدمات لا تسمح بفتح باب المنافسة أمام الجميع، أن تحصر المناقصة بين فئة محدودة من المناقصين تتوفر فيهم المؤهلات المالية والفنية والمهنية المطلوبة. تحدد هذه المؤهلات بصورة مفصلة في دفتر الشروط الخاص، كما تحدد فيه سائر الضمانات التي يجب أن تتوفر في المناقصين والمواصفات التي يجب أن تتميز بها الأشغال أو المواد المطلوبة».

شركات منتقاة

اللافت في قرارات تسمية المتعهدين الذين دعاهم زعيتر للمشاركة في المناقصة أن الشركات المدعوة لأربع مناقصات من أصل خمس هي: «مانوتك»، «مجموعة الحمرا»، «ماك كورب»، «سيفتي وسيكيوريتي»، «الجفير»، و«أريل» (جرت تسميتها لمناقصة واحدة فقط بدلاً من «الجفير»). أما المناقصة الخامسة التي تتعلق بتلزيم صيانة وتركيب نظام كاميرات، فقد دُعيت إليها خمس شركات هي: «A.C.M»، «سيكيوريتي أند سيفتي سوليوشن»، «أوبتينت سرفيسز»، «غوارديا سيستمز» و«فاير فايترز».

كذلك تبيّن من المناقصات الأولى التي أطلقت، أي مناقصة تلزيم الكاميرات ومناقصة أجهزة الكشف على الحقائب، أن هناك «تركيبة ما»، إذ إن المناقصة الأولى لم تتقدّم إليها إلا شركة واحدة، ما يمنع فتح عرضها. وتبيّن في المناقصة الثانية أن هناك شركتين، لكن إحداهما مشتبه في كونها «وهمية» أو أنها واجهة لمنافستها!

وبحسب مصادر مطلعة، فإن عضو اللجنة ممثل وزارة الداخلية العميد الياس خوري انسحب من اللجنة بسبب «الشوائب» التي تشوب عملية التلزيم، إذ بدا واضحاً أن الهدف من استدعاء شركات غير معروفة في هذا المجال وبعضها مؤسس حديثاً وليس لديه سجل ضريبة قيمة مضافة في وزارة المال، لا هدف منه سوى «فرط» آلية استدراج العروض لمصلحة العقود بالتراضي.

وتسأل المصادر، لماذا لم تدعَ معظم الشركات التي كانت اللجنة المشتركة قد صنّفتها للمشاركة في تقديم أسعارها أيام الهبة السعودية؟ لماذا دعيت شركات غير معروفة في مجال الحماية الأمنية في المطارات؟ لماذا عدّل دفتر الشروط بصورة مخالفة لقرار مجلس الوزراء، إذ نصّ على اعتماد دفاتر الشروط والمواصفات الفنية التي أقرّتها اللجنة المشتركة، غير أن وزارة الأشغال أدخلت تعديلاً يتعلق بإلغاء بلد المنشأ في مناقصة الكاميرات، على سبيل المثال، ووضعت بدلاً منه «الاسم التجاري». لمصلحة من تعديلات كهذه؟ وإذا كانت الوزارة لم تطلق المناقصات في موعد يراعي «الحاجة الملحّة»، فلماذا تقصير المهلة إلى 5 أيام طالما أن هذه المناقصات يمكنها الانتظار لأشهر!

محمد وهبة – الأخبار