موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

الهزّات الأرضيّة في لبنان : طبيعيّة أم نتيجة تجارب نوويّة ؟

0


شهد لبنان منذ أسابيع هزّة أرضيّة بقوّة 4 درجات بالقرب من فالق روم، شعر بها اللبنانيون في مناطق عدّة أبرزها صيدا وإقيلم التفاح وإقليم الخروب وشحيم، وبقيت هزاتها الارتدادية تتردّد على مدار أيّام بعدما أحدثت هلعًا لدى اللبنانيين من إمكانيّة حدوث هزّة أرضيّة أقوى تكون أضرارها أكبر.

لبنان له تاريخ حافل بالهزّات الأرضيّة، أبرزها الهزّة التي ضربت الساحل اللبناني ودمّرت بيروت بالكامل سنة 551، وأخرى مدمّرة حصلت عام 1202 وكانت بقوّة 7.6 درجات على فالق اليمونة أدّت إلى سقوط 31 عمودًا من هياكل بعلبك وأحدثت أضرارًا جسيمة في طرابلس وبعلبك. في التاريخ الحديث حصلت كثير من الهزّات أبرزها عام 1956 عند فالق روم بقوّة 6 درجات أحدثت أضرارًا في إقيلم التفاح وإقليم الخروب والبقاع، فيما يشهد لبنان سنويًا حوالى 600 هزّة أرضيّة لا يشعر بها المواطنون.

في مقابل هذه التواريخ، ومع وجود لبنان على حدود إسرائيل التي لم تُخفِ يومًا امتلاكها السلاح النووي، وفي حين تكثر التقارير عن إجرائها تجارب نوويّة تحت الأرض وفي البحر رُبط بين تكاثر حدوث الهزّات وتنفيذ هذه التجارب.

كيف تجري التجارب النوويّة؟

تقام التجارب النوويّة في آبار أو حفر عموديّة قريبة من سطح الأرض بعرض 1 إلى 3 كيلومترات وعمق 1 كيلومتر (عكس الزلازل التي تجري على عمق 30 كلم أو أكثر عن سطح الأرض). تجمّع الأجهزة الذريّة في موقع الاختبار وتوضع في هذه الحفر العموديّة مع أجهزة استشعار لقياس قوّة الانفجار. يعبئ النفق بكمّيات من الحصى والرمل لمنع تسرّب المواد الإشعاعيّة إلى الهواء.

خلال التجربة، تطلق طاقة الانفجار في أقل من مليون جزء من الثانية، وتصل درجة الحرارة إلى مليون درجة مئويّة، حينها ترصد قوّة الارتجاج من طريق أجهزة قياس الهزات الأرضيّة في جميع أنحاء العالم. وعلى سبيل المثال الطاقة الناتجة من إلقاء قنبلتي هيروشيما وناكازاغي عام 1945 تعادل زلزالاً بقوة 5.4 درجات على مقياس ريختر.

الفرق بين الهزّة والتفجير

في هذا السياق، يقول المهندس في المركز الوطني للبحوث الجيوفيزيائيّة والمسؤول عن رصد الزلازل، رشيد جمعة، لـ”النهار” أنّ لبنان وقّع على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النوويّة، وعلى أساسه عُيّن المركز الوطني للجيوفيزياء نقطة تمركز للعمل مع منظّمة الأمم المتحدة في هذا المجال منذ عام 2005، وبالتالي يطلع على أي تجربة نوويّة في العالم ويصله إنذار عند حدوثها من خلال الآلات وأجهزة الرصد الموجودة في المركز، كما يمكنه الاطلاع على التسجيلات الصادرة عن كل المحطّات المنتشرة في العالم والتابعة للمنظّمة، وآخر إنذار كان حول التجربة النوويّة الأخيرة التي أجرتها كوريا الشماليّة.

يشرح جمعة الفرق بين التسجيلات الصادرة عن هزّة أرضية وتلك الصادرة عن تفجير نووي، ويقول : “لا شكّ في أنّ التفجير النووي يحدث ارتجاجات شبيهة بتلك التي تسبّبها الهزّة، لكنّنا نستطيع التمييز بينهما بسهولة من خلال التسجيلات. التفجير يحصل في نقطة محدودة جغرافيًا ويحدث ارتجاجات فيها، بينما في الهزّة هناك علاقة بين طول الفالق الذي انكسر في الوقت نفسه وقوتها، مثلًا هزّة بقوّة 3 درجات تشير إلى انكسار أربعة كيلومترات في الفالق، أخرى بقوّة 7 درجات تعني انكسار 100 كيلومتر في الفالق. هناك فرق بين الظاهرتين على الصعيد الفيزيائي”.

ويضيف جمعة : “التفجير يسبّب هزّة لكن في مكان حدوثه، فمثلًا لو أجرت اسرائيل تجربة نوويّة في سيناء، الهزّة أو الكسر في الأرض سيحدث في سيناء فقط ولن نشعر بها في لبنان. كما يجب الأخذ بالاعتبار عمق الفجوة التي حفرت في الأرض، فظروف الضغط والحرارة تحتمّ تضييق فتحة الفجوة كلّما نزلنا في الحفر وبالتالي هناك تساؤلات عن القوّة التي يمكن أن تحدثها من خلال فتحة صغيرة، بينما الهزّة في لبنان تحدث تحت خمسة كيلومترات في الأرض، والفوالق الموجودة قادرة على إحداث هزّات قد تصل إلى قوّة 7 درجات، فيما أكبر تجربّة نوويّة أدّت إلى ارتجاج نووي بقوّة 3.5 درجات”.

سحب النفط

من جهة أخرى، تبرز مشكلة النفط الموجود في البحر في منطقة الناقورة، وتكثر النظريّات عن سحب إسرائيل للنفط الموجود في الصخور البحريّة، من خلال حفر آبار تسبّب هزّات في محيطها، يردّ جمعة : “الآبار الجيوتارميّة تحدث هزّات وقد حصلت في سويسرا. تقوم على حفر بئرين متقابلين، وحقن الأوّل بالمياه الباردة بضغط قوي حتى تخرج المياه الساخنة من الحفرة الثانية محدثة هزّات”.

ويضيف جمعة : “التفجير النووي أو الديناميتي يمكن تمييزه عن الهزّة الطبيعيّة، أمّا الآبار الجيوتارميّة التي تُخرج ما في القعر فهناك علامات استفهام حولها، لكن المؤكّد أنّها تحدث ارتجاجات في مكانها فقط وليس على مسافة عنها، أي في حال سحب النفط في الناقورة لن نشعر بهزّة في صيدا. وكلّ القصص الأخرى موجودة في الأفلام أمّا علميًا فهي أقرب للمستحيل”.

خطر زلزالي حقيقي

في المقابل، يرفض جمعة تسخيف الخطر الزلزالي الذي يهدّد لبنان باعتباره موجودًا ومعروفًا ولم يتغيّر منذ قرون، هناك عدّة فوالق زلزاليّة تتحرّك ببطئ، ومتفرّعة من فالق البحر الأحمر (وهي فالق سرغايا، فالق راشيا، قالق اليمونة، فالق روم، والفالق البحري) كلّها خطرة وقادرة على إحداث هزّة قد تصل إلى 7.5 درجات.

ويشير إلى أنّ أحدًا لا يستطيع تحديد وقت وقوع هزّة لكن الخطر قائم دائمًا، هناك إمكانيّة وقوع ضحايا ليس بسبب قوّة الهزّة وإنّما لسوء التصرف وغياب التوعية والمعرفة الحقيقيّة بها. المجتمع قادر على حماية نفسه من هزّة بقوّة 6 درجات ذات الأضرار المحدودة في ظلّ توعية جديّة وإكساب المواطن ثقافة صحيحة حول الهزات وكيفيّة مواجهتها.

ويؤكّد أنّ ما يحدث من هزّات هو نتيجة انكسار في الفوالق الموجودة، وبالتالي هي طبيعيّة، والتسجيلات واضحة ورصدت في كلّ المراكز في العالم. ويشير إلى أنّ لبنان يتعرّض لحوالى 600 هزّة سنويًا، آخر الهزّات القويّة كانت في عام 2008 وكانت بقوّة 5 درجات وضربت صريفا.

تاريخ التجارب النوويّة والهزّات

أجريت تجارب الأسلحة النوويّة لتحديد قدرة هذه الأسلحة ونتيجة تفجّرها، في معظم فترات القرن العشرين وخصوصًا خلال الحرب الباردة. هذه التجارب تعطي معلومات حول كيفية عمل الأسلحة النوويّة، وتستخدم كمؤشر على القوّة والتطور العسكري والعلمي.

أجريت أوّل تجربة نوويّة عام 1945 من الولايات المتحدة في موقع ترينيتي. تمّ اختبار أول قنبلة هيدروجينيّة، أطلق عليها اسم “مايك”، في جزيرة إنيويتوك في جزر مارشال عام 1952، أيضًا من الولايات المتحدة. أما أكبر اختبار سلاح نووي في التاريخ حصل في الاتحاد السوفياتي وتحديدًا في نوفايا زيمليا عام 1961 وعُرف بـ”القيصر بومبا”.

أعلنت الولايات المتحدة الأميركيّة عام 1993 أنّ عدد التجارب النوويّة الأميركيّة بلغ 1051 تجربة منها 204 تجارب سريّة. تمكّن علماء الرصد الزلزالي من الكشف عن 111 تجربة سريّة بينها 18 تجربة تمّت في مواقع خاصّة في صحراء ولاية نيفادا الأميركيّة أحدثت زلزالًا اصطناعيًا، لأنّ التفجير تمّ بالقرب من صدوع زلزاليّة ميتة، ما أعاد إحياء هذه الصدوع من خلال طاقة التفجيرات النووية. عام 1968، في صحراء نيفادا الأميركيّة، أجريت تجربة نوويّة مقدارها (1.1) مليون طن أحدثت زلزالًا بقوّة 5.1 درجات بمقياس ريختر.

عام 1975 بدأت فرنسا تفجيراتها تحت الأرض في مستعمراتها ولم تعلن عن قدرة هذه التفجيرات، ولكن بعض الدول المجاورة ومنها نيوزيلاندا استطاعت تسجيل الزلازل الناتجة من التفجيرات وخمّنت قدرتها.

عام 1998، فاجأت الهند العالم بإجراء ثلاثة تفجيرات نوويّة تجريبيّة تحت الارض تسبّبت في هزة أرضيّة تجاوزت خمس درجات بمقياس ريختر، ما أثار حفيظة المجتمع الدولي الذي لوّح بفرض عقوبات واسعة على نيودلهي. استعملت ثلاث عبوات خلال هذه التجارب، الأولى انشطاريّة والثانية ذات قوة متدنية والثالثة حراريّة ــ نوويّة، كلها كانت انفجارات في باطن الأرض على غرار تجربة مايو 1974.

في شباط فبراير 2013، رصدت المراكز الزلزاليّة آخر اختبار تفجير نووي حتى هذا التاريخ، وكان من تنفيذ كوريا الشماليّة، الذي أحدث زلزالًا اصطناعيًا بقوّة 5 درجات في منطقة كيلجو (شمال شرق) حيث يقع موقع بونجي-ري الذي يستعمل للتجارب النوويّة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

قد يعجبك ايضا