موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

هكذا تمّ التحضير لعودة الحريري…

لم يكن مجيء الرئيس سعد الحريري إلى لبنان محطة منفصلة عن مسار بدأ قبل أسابيع، وله صلة بتطورات المنطقة والحوارات الدائرة فيها.

ففي 18 تموز الفائت، أطل الحريري من جدة على إفطار أُقيم في البيال. ترقب الجميع الكلمة على أساس أن زعيم تيار المستقبل سيعلن مبادرة ما تفتح الباب أمام احتمال إجراء انتخابات رئاسية. لم تحمل الكلمة معها اختراقاً استثنائياً للحالة اللبنانية، لكنّ الإطلالة المدروسة في حدّ ذاتها، كانت الحدث بعد غياب طويل، وبمثابة إشارة سعودية إلى عودتها إلى أداء دور في لبنان، عبر خريطة طريق بدت في كلمة الحريري كرصاصة انطلاق نحو الرئاسيات، بعدما تحدث عن مرشحي تسوية.

في اعتقاد سياسيين، كما ذكرت جريدة “الأخبار” في مقالٍ للزميلة هيام القصيفي، أنّ الرياض كانت مهدت لعودة الحريري بإطلالته الأولى بعد غياب، وهي كانت تريد فرصة كي تأذن بعودته إلى بيروت، فجاءت قضية عرسال بكل مفاعيلها وارتداداتها، لتكون هي الباب الواسع الذي يلج عبره الحريري حاملاً معه الهبة السعودية، بعد إعلانها من جدة.

مهمة الحريري في بيروت، في مرحلة حساسة إقليمية لا تتعلق بالهبة السعودية المالية، بل هو جاء محملاً مهمات ثلاثاً:

الأولى، ضبط الشارع السني بعد عرسال وصعود نجم هيئة علماء المسلمين والوقوف في مواجهة التطرف الإسلامي. لم تستدع طرابلس سابقاً عودة الحريري، نظراً إلى أن احتمالات ضبطها كانت مرتفعة، لكن ما حصل في عرسال كان أشد خطورة ويحمل ارتدادات على الشارع السني برمته، بعد وصول خطر “داعش” إلى لبنان. كانت إشارات الشارع السنّي بعد عرسال تنذر بالخطر على زعامة المستقبل، ولا سيما بعد التصدع الذي أصاب الكتلة النيابية من جراء انقسامها بين معارضين متشددين تجاه الجيش وقيادته، عاملين على شنّ هجمات عليها، وبين داعمين ولكن بتحفظ لها.

وكان لا بد من إحداث صدمة إيجابية لاستعادة زعامة الشارع السني مجدداً تحت عباءة الحريري نفسه لا القيادات البديلة التي يعمل كل منها لمصلحة مستقبلها السياسي. وكذلك إن وجود الحريري في المعنى الأمني بات ضرورياً لتفادي أي تطور أمني في حال اشتعال الوضع ميدانياً مجدداً في عرسال أو حتى طرابلس، لأن أي شرارة جديدة في أي منطقة سنية قد تكون نتائجها وخيمة، وهي لا تصبّ اليوم في مصلحة المستقبل وسط استحقاقات إقليمية وداخلية.

ثانياً، ليست صدفة أن يعود الحريري إلى بيروت في وقت يغادرها السفير السعودي علي عواض العسيري. مع العلم أنه لا يمكن في غياب رئيس للجمهورية اعتماد أي سفير آخر للمملكة السعودية أو لغيرها. أتى الحريري حاملاً مهمة سعودية في إدارة سياستها لملف لبنان من الداخل، وحاملاً هبة سعودية مالية للقوى الأمنية، وهبة من ماله الخاص لعرسال، وبدأ سلسلة لقاءات على مستويات سياسية وأمنية واقتصادية، بما يذكر، بحسب أحد السياسيين، بوالده الرئيس الراحل رفيق الحريري في بدايته السياسية بعد الطائف، في موازاة رؤساء الحكومات.

ثالثاً، مع تطور الوضع العراقي وإشارات الحلحلة في الملف الحكومي بتسمية حيدر بديلاً للمالكي، كان لا بد من تهيئة الجو اللبناني والسني لاحتمالات أي ترتيب للوضع الداخلي. يحتاج السنّة في هذا المجال إلى زعيم للتفاوض معه كما هي حال الشيعة والدروز. من هنا جاءت عودة الحريري إلى لبنان، كي يكون له دور (وخلفه الدور السعودي) في إخراج أي ترتيب للوضع الداخلي عبر إجراء انتخابات رئاسة الجمهورية، لا دور في إقراره، وقيادة مفاوضات داخلية من أجل ترجمة أي اتفاق إقليمي في شأن لبنان. فلا يكون بعيداً عن إدارة ملف دقيق في ظروف حساسة.

قد يكون من المبكر الكلام عن نضوج هذا الترتيب أو وصوله إلى خواتيمه، لكن كان لا بدّ للرياض أن تضع ثقلها في المكان الذي يمكّنها من إدارة عناصر الحل الداخلي إذا اقتضى تسارع التطورات الإقليمية ذلك، وحيث يجب تطويق عوامل التفجير.

قد يعجبك ايضا