موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

“حراشف سمكية” تغطي جسد لبناني مشلول

بجسد نحيل عانى سنيناً من مرض نادر عجز أبرع الأطباء عن فك لغزه، يجلس عماد حوري على كرسيه المتحرك في صالون منزله، يحاول التحكم برأسه لبعث إبتسامته تأهيلاً منه بالزائر الجديد، وإن كانت نظراته تخفي بحراً من التساؤلات.

جعل مرض عماد من جلده شبيهاً بحراشف الأسماك بعد أن غطت قشور داكنة اللون 95 في المئة من جسده مستثنية وجهه. هذه الحال التي ترافقه ليست وليدة اليوم، بل بدأت معه وهو في عمر السنتين. الأطباء الذين قصدهم مع عائلته عجزواعن تشخيص معاناته، وشخصها البعض بمرض جلدي يعرف بـ”الصدفية”، لكن يجب أن لا يفوتنا وجود مرض يدعى داء “السمكية” وهو من الأمراض الجلدية القليلة، يرجعه الأطباء إلى اضطراب في تقرن خلايا الجلد ونضوجها ويظهر على شكل جفاف شديد بالجلد مع تقشر زائد.

“حراشف” عماد ألطف عليه من بعض البشر، فهي لا تزعجه ولا تشعره بـ”حكة” كونه عاجز عن تحريك يديه بسبب الشلل الرباعي الذي يعانيه، وإن كان فصل الصيف أقسى عليه من فصل الشتاء إذ يزيد”حراشفه” جفافاً. “النهار” زارت منزل العائلة المتواضع الذي يأويه وثلاثة من إخوته في بلدة العين الواقعة شمال بعلبك.

بحرقة على فلذة كبدها تتحدث الوالدة مؤكدة أنه وإن كان لا يملك القدرة على النطق إلا أنه يعي كل ما يدور حوله، وتقول: “فعلت كل ما في وسعي لمعالجته إلا أن حاله كانت تسوء مع الأيام، في السابق كنا نستطيع تأمين كريمات لتنعيم جلده كما أننا لم ندخر أي وصفة شعبية على أمل شفائه الا واستعملناها في علاجه، وذلك بعد أن فقدت الأمل بوصفات الأطباء، إلا أنني اليوم توقفت عن شراء أدوية جديدة له، فالحال المادية لا تسمح، لذلك بدأت “حراشفه” تجف أكثر فأكثر”.

يقاطعها والده عبده الذي كان ينظر إلى ابنه والحسرة في عينيه، فهو بالتأكيد أب يتمنى أن يرى ابنه كأي شاب في عمر الثانية والعشرين ربيعاً جالساً يتحدث معنا عن أمور الحياة لا أن يكون هو محور القصة وكيف إن كانت حزينة كي لا نقول مأسوية، يشير بصوت خافت فوجع الأيام ظاهر في نبرته “أكثر ما يمكن أن أفعله اليوم هو شراء صابونة من الزيوت تعوض ولو قليلاً عن الكريمات التي توقفت عن جلبها له، بعد أن إحتار الأطباء وحيرونا معهم، فجميع الطرق التي أرشدوني إليها سلكتها لكن النتيجة كانت واحدة تشبص المرض وعناده عن هجر ولدي”.

عماد يحب الحياة، لكن أيامه روتين دائم، وبعد خروجه من المدرسة الداخلية التي أمضى فيها 19 عاماً، يقضي اليوم معظم أوقاته على كرسيه المتحرك داخل المنزل، يستمع إلى ما يدور حوله من دون أن يقوى على المشاركة. ومع ذلك لعماد هوايات بحسب والدته التي قالت: “يشاهد التلفزيون ويلعب البلاي ستايشن والبيانو بمساعدة شقيقتيه التي تربطه بهما علاقة قوية”.

“قد يكون الخطأ طبياً أثناء ولادته، بعض أن قضت والدته 14 ساعة من دون أن يجروا لها عملية قيصرية، ومع ذلك قالوا لنا أن الصغير في حال طبيعية، لكن مع الوقت اكتشفنا أنه يعاني ثلاث حالات وليس واحدة: وهي الشلل وعدم القدرة على النطق ومرض الجلد” ، هذا التبرير الوحيد الذي وضع عليه الوالد متاعب سنين قضاها رحالاً لاستكشاف منقذ لحال ولده النادرة، حالة انتصرت على أطباء حاولوا مبارزتها، فأشهرت سيفها ممعنة بخرزه في جلد عماد.

الوالد الذي يرفض أن يستغل حال ابنه للحصول على “شفقة” أحد ، ذكر أن أي جمعية لم تأخذ علاج ولده على عاتقها، وأضاف: “إذا كان الميسور في هذا البلد معرض للعوز في حال اشتد وطال مرضه، فكيف إذا بالفقير الذي يدفع دائماً صحته ثمناً لفقره؟”.

هذه واحدة من حالات انسانية عدة مخبأة في كهوف الظلام، لا سبيل لها في الخروج إلى النور وعرض مأساتها لأسباب عدة منها الجهل والفقر واليأس وربما لاحتلال تنظيم “الدولة الاسلامية” وأخواته الشاشات ومختلف وسائل الاعلام ، بعد أن جذبوا اهتمام الدول والشعوب بصور السفك والذبح، فأبعدوا مؤسسات الدولة اللبنانية البعيدة أصلاً من هموم مواطنيها ومعاناتهم، الحالات الانسانية لم يعد لها مكان في جدول اهتمامات المسؤولين والمعنين، ليبقى الفقراء وحدهم يتخبطون في بحر الأوجاع!

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا